الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الـذي اصطفى الأمة المسلمة لوراثة النبوة والكتاب، وجعلها محل الوحي الخاتم، فقال تعالى: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) (فاطر:32)، وتعهد لها بحفظ خطاب الوحي الإلهي من التحريف والتأويل، ليأتي التكليف صحيحا، وبذلك جنبها علل وإصابات التدين، التي لحقت بالأمم السابقة، فقال تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9)، وقال: ( إن علينا جمعه وقرآنه ) (القيامة:17)، وقال: ( ثم إن علينا بيانه ) (القيامة:19)، فكان عهد الله بحفظ النص وحفظ بيانه وامتلاك الأمة المسلمة النص السماوي السليم، الذي انتهى إليه وحي الله، وتوفر الإمكانات الحضارية التي يتضمنها يجعل الأمة المسلمة، إن كانت في مستوى إسلامها وعصرها، أن تضطلع بمهمة القيادة الحضارية الإنسانية والشهادة على الناس وإلحاق الرحمة بهم، مصداقا لقوله تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107)، وقوله: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران: 110)، وتقيم في الأرض موازين العدل، وتربي الناس على مسالك الاعتدال: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143).

وقد يكون من المهم جدا أن نسارع إلى البيان أن المقصود بالأمة هنا هي أمة الفكرة، أمة الإيمان، أمة التوحيد، هي كل من آمن بهذا الوحي وهذه الرسالة، مهما كان جنسه أو عرقه أو لونه، فهي مجتمع مفتوح لاختيار كل إنسان، وليست أمة التجمعات القسرية من الأقوام والأجناس والألوان، لذلك فهي بطبيعتها وامتلاكها الحرية في اختيار إيمانها وأصل تشكلها بريئة من العنصرية والتمييز والتعصب والانغلاق.

فهي بهذا الاعتبار وهذا التكوين نسيج وحدها، وهي بذلك مختلفة عن عوامل تشكيل الأمم التي يحكمها اللون والقوم واللغة والجغرافيا... إلخ.

لذلك فهي بطبيعة تكوينها وعوامل إخراجها إنسانية مؤهلة للشهادة على الناس وقيادتهم إلى الخير وإلحاق الرحمة بهم، كيف لا يكون ذلك وهي محصلة النبوات وجماع الوحي الإلهي لتاريخ البشرية.

ولا شك أن العامل الأهم في الأمر، أو التميز الأهم لهذه الأمة أنها أمة الفكرة، أمة تشكلت من خلال كتاب (القرآن) الذي شكل محور حياتها، واحتوى على القيم الضابطة لمسيرتها وخارطة الطريق لحياتها والبوصلة المحددة لوجهتها، وكتاب يتسم دون سواه بهذه الخصائص (إمكان تشكيل أمة الحضارة الإنسانية) من الطبيعي أن يكون معجزة الوحي الخاتم، وأن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأن يكون إعجازه في إحكام آياته وبيانها وتفصيلها، يقول تعالى: ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) (هود:1)، لذلك تمحورت حياة الأمة تاريخيا حول هذا الكتاب وعطائه الدائم -المأمون من الباطل- للماضي والحاضر والمستقبل، دون أن تلحقه إصابة واحدة، على الرغم من تقدم العلوم والمعارف وتلاقي الأمم والحضارات، فهو الوحي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

والصلاة والسلام على إمام البيان، المبين عن ربه ما نزل إليه، يقول تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) (النحل:44)، الذي اجتمعت في شخصه خصائص وصفات الأنبياء جميعا، كما اجتمعت في رسالته الخاتمة أصول الرسالات السماوية كافة، وانتهت إلى معجزته واكتملت بها معجزات الأنبياء، التي تدرجت من المعجزات الحسية المادية المجسدة تحقيقا لسهولة إدراكها وإمكانية استيعابها من قبل الناس، في مراحل الطفولة البشرية، إلى المعجزة الفكرية العقلية البيانية المعنوية المجردة عند بلوغ البشرية مرحلة الرشد والاكتمال في النبوة الخاتمة، فكان القرآن، الذي تحدى البشر أن يأتوا بمثله، هو معجزة نبي الإسلام.

لقـد نيطـت بالنـبي صلى الله عليه وسلم مسؤولية الشهادة على الناس وقيادتهم إلى الخـير وإلحـاق الرحمة بهم: ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) (الحج:78)، الـذي أعده الله ليكون محل المهمة العالمية الإنسانية الثقيلة، قال تعالى: ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) (المزمل:5)، وأوتي جـوامع الكلم في أهـل الفصـاحة والبلاغة والبيان و ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) (الأنعام:124)، فجاء صلى الله عليه وسلم خيارا من خيار من خيار.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" الرابع والخمسون بعد المائة: "نحو قراءة نصية في بلاغة القرآن والحديث"، للأستاذ الدكتور عبد الرحمن بودرع، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، في محاولتها الاجتهاد للإجابة عن سؤال النهضة، والبحث عن مواطن الخلل، والتعرف على واقع الأمة بكل مكوناته وجوانبه، واكتشاف إصاباته، ومعرفة أسبابها، ودراسة علل وإصابات التدين التي تسللت إلى الأمة المسلمة، ودراسة حركات التجديد والإصلاح، وتقويم مسيرتها، وبيان الأسباب المعمقة لعدم بلوغها أهدافها، لأخذ العبرة وتجنب العثار وتحقيق التقوى (الوقاية الحضارية) في سعي دائب لإعادة بناء (الذات)، وتعريفها برسالتها، والتأكيد على أهمية إعادة النظر في الوسائل وأدوات التوصيل في تعاملها مع قيمها في القرآن والسنة من خلال واقع الناس البائس، وبيان أسباب العطب في هذه الوسائل وعجزها عن تحقيق العطاء المأمول، والدعوة إلى الاجتهاد الفكري، واستشعار مسؤولية التجديد، وبيان الأبعاد الغائبة للفروض الكفائية، وتجديد مفاهيمها، وبيان علاقتها بتوفير التخصصات المطلوبة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتقسيم العمل، ودورها في بناء شبكة العلاقات الاجتماعية، وحدود تطبيق الشريعة، ومداه، وعلاقة التكليف بالاستطاعة، وارتباطه بأقدار الاستطاعة، صعودا وهبوطا، وكيف أن التكاليف الشرعية تبدأ مع الناس من حيث هم، وتتحدد بمقدار استطاعتهم، والتأكيد على أهمية التوسع في دراسة الفقه المقارن، وتمرين العقل على النقد والمراجعة والمحاجة، وأن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد، لتتحـول هذه المقـولة إلى فعل يتجسد في حياة الناس، وأهمية التمييز بين قيم الدين في الكتاب والسنة وصور التدين في واقع الحال، وكيف أن النقد إنما يتجه إلى فهم البشر وتنـزيلهم للقيم على حياتـهم والذي قد يخطئ وقد يصيب.

والأمر الذي قد يكون من المفيد دائما حضوره واستدعاؤه إلى ساحة التفكير أن القرآن هو معجزة الإسلام، معجزة الأمة المسلمة الممتدة، وإنه المعجزة الفكرية العقـلية البيانية المجردة الخـالدة القادرة على العطاء والإنتاج في كل زمان ومكان، والارتقاء بمن يؤمن بها ويتمثلها إلى درجات النهوض والكمال وبناء الحضارة الإنسانية، وهي المعجزة التي جاءت على خط النهاية في النبوة وتدرج النبوات وتطورها، بحسب أطوار الحياة البشرية، إلى أن جـاء القرآن معجـزة مجردة، تتناسب مع حالة الرشد واكتمال العقـل والكمـال، الذي وصلت إليه البشرية، كثمرة لتأهيل النبوات السابقة ومعجزاتها.

ويلمح إعجاز القرآن بما توفر له من وسائل الحفظ والنقل وبما تعهده الله من الحفظ، ولعل هذا من لوازم الخاتمية وتوقف وحي السماء واستحالة أن يخاطب الناس ويحملوا المسؤولية بنصوص منحولة محرفة وقد توقف تتابع الرسل وتوقف التصويب من السماء للتحريف في النص والانحراف بالفهم، وذلك من بعض الوجوه ملمح الإعجاز ودليله.

والقرآن خطاب عام، خطاب أمة، وليس خطاب نخبة، فالله سبحانه وتعالى يقول: ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ... ) (الجمعة:2)، ولقد يسره الله للذكر، يقول تعالى: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر:17).

هو خطاب الإنسان في كل زمان ومكان، هو خطاب أمة وليس خطاب نخبة أو فئة أو طبقة أو جنس أو كهنوت، تحتكر فهمه وتتحدث باسم الله وتتصرف بمصائر الناس وبتكاليفهم وتقرير الحل والحرمة أو التحليل والتحريم، كما انتهـى حـال أهل الكتاب المقدس في تاريخ الأديان إلى طبقة أطلق عليها "حملة الكتاب المقـدس"، فهي دون سواها التي تحتكر فهمه وتفسيره وتمارس على الناس أقدارا من الكهانة وتخلع على نفسها صفات القدسية.

فالقرآن خطاب عام، وكتاب مفتوح لكل البشر، في كل زمان ومكان، وفهمه وتفسيره وتأويله ليس حكرا على طبقة أو جماعة ولو كانت من حملته والمؤمنين به، كما أنه ليس حكرا على زمان ومكان، ولكل إنسان أن يأخذ منه ويفقه آياته وأحكامه حسب مؤهلاته وكسبه العلمي والمعرفي، لذلك فلا يجوز باسم الحيلولة دون التحريف والانتحال إيقاف التلقي القرآني المباشر والتفاعل معه والأخذ منه، ومحاصرته بفهم عصر أو مكان أو شخص أو طائفة وتعطيل خلوده، وإبطال تذوق إعجازه ومحاكاة هذا الإعجاز والترقي به في مدارج النهوض والكمال.

والعلماء العدول والمجددون في كل عصر ومصر هم الذين يردون الأمور في التفسـير والتأويل الخارج عن قيم الشرع وقواعد اللغة إلى نصابها، وينفون نوابت السوء، ويتجاوزون بالأمة الإصابات والعلل، ويعودون بها إلى القرآن والبيان النبوي الصحيح؛ لكن خشية التحريف والتأويل والانتحال لا يجوز أن تتخذ ذريعة لحجب القرآن عن عموم الناس، فالتفاعل والمناقشة والمقارنة والمشاورة والمفاكرة والمناظرة والمجادلة وحتى المماحكة تبلور الحقيقة، وترد الأمر إلى نصابه، وتحول دون جراءة المدعين القول بغير علم، ولنا أن نتصور ما يترتب على هذا الخطاب العام من تفاعل وتفاكر وتناظر وتجادل وتحاور وما يحقق من كسب لغوي يأتي ثمرة للنص القرآني الخالد.

فإعجاز القرآن لا يحول دون أن يكون خطـابه عاما، وأن يكون لكل تال نصيـب من تذوق بعض آفـاق الإعجـاز، أو أحد وجوهه، ولو حاول كل منا أن يسترجع نصيبه من العطاء القرآني في مراحل عمره المختلفة، من الطفولة إلى الرجولة فالكهولة، ومن الأمية إلى الكسب العلمي العام، إلى مرحلة التخصص، لأدرك أن القرآن المعجز مائدة ممدودة للجميع، ولكل نصيب منها، خـاصة وأن الإعجاز ليس بيانا لغويا فقط وإنمـا له آفاق لا يحـكمها حد ولا عصر ولا حصـر، وإن كانت أوضح ما تكون في النظم والبيان، حيث تمحور جهد العلماء حول هذا الأمر، فقد نزل القرآن أول ما نزل لبناء القاعدة البشرية الأولى، التي سوف تشكل خميرة الحضارة الإنسانية، في أهل البيان والفصاحة واللسان، فكان التحدي وكان الإعجاز أوضح ما يكون في هذا المجال.

والأمر الذي أرى أهمية الإشارة إليه وفتح ملفه لمزيد من النظر والدرس والاجتهاد أن مفهوم الإعجاز، وهو من دلائل النبوة وقنطرة الإيمان بالله سبحانه وتعالى والاعتراف بالفرق بين الحق والخلق، بين الله والإنسان، وبناء العبودية لله لا يعني العجز عن الإتيان بمثل القرآن فقط، وهو الأهم في دلالة المعجزة، وإنما يعني أيضا ضربا من التحريض والتفكير والحض على الارتقاء والتأهل لإدراك المعجزة بكل أبعادها، ومن ثم التعاطي معها؛ فالإعجاز في بعض أبعاده ودلائله هو ضرب من التحريض وليس وسيلة للعجز والتعجيز والحجر العقلي، لذلك نجد أن هذا الإعجاز حرض ودفع إلى إبداع الكثير من الأدوات اللغوية والبلاغية والبيانية وقواعد اللغة والصرف...إلخ لتشكل الوسائل والأدوات المساعدة على محاكاة المعجزة وتذوقها وإدراك كامل أبعادها؛ أقول محاكاة المعجزة وليس مضاهاتـها ومحاولة الإتيان بمثلها، وبذلك كان هذا الكتاب المعجز محور الحراك الذهني والثقافي والاجتهادي، حيث تضـم المكتبـة العربية الإسـلامية اليـوم من الدراسات والبحوث في مجال الإعجاز ووجوهه وأدواته وتطور النظر إليه والتراكم المعرفي حوله مالم يتحقق لأية كتاب آخر، مقدس أو غير مقدس، ولعل هذا بعض وجوه الإعجاز ومقاصده.

هذا عدا عن الدراسات التي ارتقت باللغة العربية، وعاء هذا القرآن، والعلوم المتعددة التي نشأت لبيان معهود العرب في الخطاب -حيث القرآن نزل بلسان عربي مبين- والقـواعد التي وضعت لحماية اللغة من اللحن، الذي يؤدي إلى التحريف والخروج بالمعنى عما وضع له اللفظ، إضافة إلى كتلة المعاجـم، التي تشكل مخـازن اللغة بألفاظها ودلالاتها، وتشكل الحصـون والقـلاع التي تحيط النص القرآني للعون على فهمه والحيلولة دون تحريف دلالاته.

ولعل من بعض ملامح الإعجاز، الذي حرض على هذا الإنتاج، الذي لم يحظ به أي كتاب آخر في تاريخ البشرية، أن معظم الذين اهتموا بالموضوع وألفوا فيه الكتب والمعاجم ونبغوا فيه واشتهروا هم من غير العرب، وقد يفسر ذلك بحاجتهم إلى ما كان يدركه العرب بسليقتهم، وبذلك يمكن القول: إن القرآن عرب لسان العالم، وساهم بانتشار العربية (والعروبة اللسان) وجاءت المساهمات اللغوية والعلمية والفقهية والثقافية إنسانية من كل الأجناس والأقوام، إلى درجة يصعب معها تلوينها بلون جنس أو قوم أو جغرافيا، إذا تجاوزنا العربية لغة التنـزيل والتي لم تعد تخص العرب وحدهم، فكان القرآن الأساس في تطور وتطوير اللغة ونشرها وبيان شرفها وقدراتها على استيعاب الحضارة الإنسانية ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ) (الزخرف:44).

وإذا كان الإعجـاز في النظم والبلاغة والبيان شكل محرضا ارتقى بواقع الدراسات اللغوية وتنوعها ووسع دائرتها وجغرافيتها -كما أسلفنا- وبلغ فيهـا ما أصبـح معلوما للجميع، فأين آفاق الإعجاز الأخرى التي أشـار إليها قوله تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) (الإسراء:88)؟

أين آفاق الإعجاز المحرضة للعقل المسلم لبلوغ ما يوازي أو يحاكي المعجـزة في المجالات العـلمية والتربوية والأخـلاقية والفلسفيـة والاقتصادية والاجتماعية؟

فلم يعد مقبولا الحديث عن الإعجاز العلمي للتفاخر ومعالجة مركب النقص ونحن أشد الناس تخلفا، من الناحية العلمية، ويطاردنا السؤال: أين أنتم من الاكتشافات العلمية إذا كنتم تمتلكون هذا الإعجاز؟ وكذلك الحال في جميع آفاق الإعجاز، إذا اعتبرنا أن ساحة الإعجاز ومجاله أبعد من الإعجاز البياني وعلاقته بالنظم المتميز!!

ولعلنا نقول: إن انصراف كامل الجهود إلى التمحور حول الإعجاز البياني والبحث في أدواته وعلومه -إن صح التعبير- ومحاولة محاكاة المعجزة البيانية بكل متطلباتها اللغوية والبلاغية والمعجمية والضوابط النحوية والصرفية إنما جاء ثمرة للبعد الإعجازي، الذي تعامل معه الجيل الأول، وكان التحـدي لأهـل الفصاحة والبيان، الذين شكلوا خميرة المجتمع المسلم وقاعدته الأولى، وأدركوا واستوعبوا مسألة الإعجاز وارتقوا في محاكاة المعجزة.

لكن ذلك الإدراك والاستيعاب لمسألة الإعجاز في مرحلة التأسيس والانطلاق وبناء نواة النهوض وحمل قيم الوحي إلى العالم لا يمنع من بلوغ آفاق إعجازية أخرى تدرك من خلال الزمن وتطور العلوم والمعارف ونمو التخصصات في المجالات المعرفية والعلمية المختلفة، ذلك أن قوله تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) (الإسراء:88)، لا ينحصر في أفق أو بعد واحد من أبعاد المقارنة والمماثلة والإعجاز.

لذلك نقول: إن التحدي بالعجز عن مماثلة القرآن لا يقتصر على جانب واحد هو الجانب البلاغي، الذي يتصل بالمبنى والنظم، وإنما يتجاوز إلى الآفاق السياسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية؛ وكل ما عرض له القرآن تحدى بالعجز عن الإتيان بمثله في كل ما جاء به.

وحيث إن القرآن خـالد وخطاب عام لكل إنسان، مهما كانت معارفه ومـكاسبه، في كل زمان ومكان، وإنه معجز حتى قيام الساعة وليس للجيل الأول فقط، فإن اكتشاف الجوانب الإعجازية وامتلاك متطـلبات اكتشاف ذلك من خلال الأدوات والوسـائل المتطورة هو البعد الذي ما يزال غائبا في إمكانية تذوق الإعجاز وإدراك عطائه المتجدد، كل من خلال مكتسباته المعرفية، ومحاولة محاكاته، تلك المحاكاة التي تسهم في الارتقاء بالقرآن في شتى المجالات، فالقرآن منجم الإعجاز والعطاء، الذي لا ينفد، يقول تعالى: ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (الكهف:109)، ( عطاء غير مجذوذ ) (هود:108)، فأين الاجتهادات والجهود التي تحقق لكل جيل بلوغ الآفـاق المتجـددة؟ وأين له الوسـائل المبتـكرة التي تمكنه من تذوق الإعجاز وتجديد الصـلة بالقرآن وعدم الاقتصار على الانحياز والانتصار العاطفي؟!

ولعل من بعض ملامح الإعجاز والخلود أيضا، أن القرآن أكد على القيـم والمـوازين الضـابطة للمسـيرة والمبادئ العـامة، التي تشكل تحديد الوجهة وسبل الهداية، وتقويم الفعل، وترك وضع البرامج وتنـزيل هذه القيم على واقع الناس بحسب استطاعتهم وأقدار تدينهم للعقل والاجتهاد، في كل زمان ومكان، فكان بذلك محققا الاستجابة للمستجدات، ومستوعبا لرحلة البشرية في كل عصورها وأمصارها؛ وبذلك يستمر التحدي عن الممـاثلة في تحريك العقـل للاضطلاع بوظيفته، وفي تجميع الطاقة، واسترداد الفاعلية، وتجديد العزيمة، فيستمر عطاء الأمة، وتمتد بحضارتها من موقع العطاء، الأمر الذي يمكنها من الاضطلاع بشهادة العدل على الناس وقيادتهم إلى الخير.

وبعد:

فهذا الكتاب يفتح نوافذ، ويقدم إضاءات حول إعجاز القرآن البياني، ويعرض للوسائل والأدوات والأمثلة، التي تمكن من تلمس هذا الإعجاز وتذوقه، بطريقة تعليمية متميزة وموفقة، فهو كتاب معلم بحق، قدم دروسا متكاملة في الإعجاز، وشرح وعرف وسائل إدراك إعجاز النص القرآني والبيان النبوي، وجاء بالأمثلة التطبيقية، فهو كتاب معلم عرض للقاعدة وشرحها وتطبيقاتها والتدريب والتحليل واعتماد المراجع والتوثيقات، واستشهد لبحثه ودراسته بالجهود العلمية السابقة وأعلامها.

ولعل الباحث انطبع في بحثه بمهنته الأكاديمية، فضبط النص بالشكل، وهذه ميزة بدأت تختفي من إنتاجنا العلمي والثقافي، على أهميتها وفائدتها في ضبط اللفظ وتحديد المعنى، كما أنه أكد بشكل مباشر وغير مباشر على بعض أسرار العربية، لغة الوحي، وما تمتاز به من مرونة وخصوبة وخلود وقدرة على استيعـاب حركة الحياة والتعبير عنها إلى يوم القيامة، الأمر الذي أهلها لتكون وعاء الوحي وأداته التعبيرية وأمكنها من القدرة على توصيل المعـاني بكل دقائقـها وأسرارها وبلاغتها وإعجازها إلى المتلقي، ولعل هذه الإمكانات والمواصفات كانت السبب وراء اختيارها لتكون لغة الخطاب الإلهي الخالد الخاتم فـ: ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) (الأنعام:124).

والكتاب في الحقيقة يشكل مائدة فكرية وعلمية متعددة ومتنوعة، نجد فيها الفقه والنحو والصرف والحديث والتفسير والبلاغة بكل شعبها، من الكنايات والاستعارات والبديع والبيان والحقيقة والمجاز.

ولئن كان البحث يتطلب مستوى معينا من الكسب العلمي والمعرفي لاستيعاب طروحاته إلا أنه كتاب معلم -كما أسلفنا- يتعلم منه القارئ، مهما كان كسبه العلمي، ما يمكنه من استيعاب نصوص الوحي من القرآن والبيان النبوي، وتذوق إعجازها، والانتصار لها عن علم ومعرفة ودراية وليس عن انحياز عاطفي ورؤية قاصرة؛ وأعتقد أن هذا الجيل بعد أن ضعف كسبه اللغوي أصبح بأمس الحاجة إلى مؤلفات ومعطيات ووسائل وبحوث تجسر له العودة إلى القرآن وتلمس إعجازه.

وجملة القول:

إن القرآن خـالد على الزمن وللزمن، فالإعجـاز ممتـد، وبحر عطاء لا ينضب مـاؤه، خاصـة وأنه تحدى الإنـس والجن الإتيان بمثله؛ فالتحدي مستمر وخـالد باستمرار الحياة، فهو تحد لكل جيل وفي كل زمان، وليس للجيـل الأول فقط، لذلك تبقى مجـالات الإعجاز وأبعاده في القرآن ملفـات مطروحـة لمزيد من النظر والبحـث والاكتشاف لتذوق الإعجـاز، ومحـاولة محاكاته، والارتقاء به من خلال أدوات ومعطيات كل عصر.

ولعـل هـذا أحد الجوانب الغائبة لتجديد الصلة بالقرآن، والتحقق بفقه التلقي، وإعادة فحص واختبار وسائل التلقي، وما لحق بها من خلل وعطب حال دون تأديتها وظيفتها، وربط الإنسان بالقرآن، وتمكينه من الآليات الصحيحة للتعامل معـه وتذوق إعجازه في مختلف المجالات، في محاولة للتعـامل مع القرآن من خـلال واقع الأمة، والتعـامل مع الواقع من خلال قيم القرآن الكريـم، ولعل المعادلة الصعبة المطروحة على المفكرين والعلماء والفقهاء والمثقفـين والمربين: الإجابة عن كيفية إعادة الصلة بالقرآن وتذوق إعجازه ليقوم بدوره المعجز والمهيمن على حركة العقل وأنشطة الحياة.

من هنا نقـول: لا منـاص لنا من معاودة اختبار وسائل صلتنا بالقرآن، ومناهج تعليمنا للقرآن، ومؤسسات حفظنا للقرآن، وإدانتها طالما أنها لم تتحقق بالنتائج المرجوة وتحقق لنا تذوق الإعجاز وتشعرنا بالتحدي، الذي يسهم بالارتقاء: ( يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ) (أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح)، فـإذا لم يتحقـق الارتقاء بكل جوانبه فلابد من تصويب أبجدية القراءة، وإعادة المراجعة لأبعاد قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) (أخرجه البخاري)، وأن التعلم والتعليم لا يعني بحال من الأحوال الحفظ فقط، ذلك أن الحفظ هو أولى وظائف العقل، والصغير المميز أقدر عليه من الكبير الراشد؛ والفقه والتدبر والادكار هي أعلى مراتب الرشد العقلي ( فهل من مدكر ) (القمر:17).

إن معجزة القرآن، بما ولدت من التحدي والاستجابة في شتى المجالات، شكلت أمة، وأنشأت حضارة، وأقامت دولة، وحققت إنتاجا ثقافيا ومعرفيا، وعندما أصيبت علاقة الأمة بالمعجزة القرآنية والقدرة على تمثلها في حياتها وحركتها تراجعت وتخلفت وانكفأت!!

فكيف السبيل للعودة إلى استشعار التحدي، وتذوق الإعجاز، والتجديد في أدوات تحقيق الاستجابة ومعاودة النهوض؟

والله غالب على أمره.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث