الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن

[ ص: 113 ] فصل

في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن

قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية ، من العجم والترك وغيرهم ، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك . فإذا عرفوا هذا - بأن علموا أنهم قد تحدوا إلى أن يأتوا بمثله ، وقرعوا على ترك الإتيان بمثله ، ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه . وإذا عجز أهل ذلك اللسان ، فهم عنه أعجز .

وكذلك نقول : إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ، ووجوه تصرف اللغة ، وما يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره - فهو كالأعجمي : في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن ، إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره ، وهو ومن ليس من أهل اللسان ، سواء .

فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي ، ووقف على طرقها ومذاهبها - فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة ، ويعرف ما يخرج عن الوسع ، ويتجاوز حدود القدرة - فليس يخفى عليه إعجاز القرآن ، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر ، وكما يميز بين الشعر الجيد والرديء ، والفصيح والبديع ، والنادر والبارع والغريب .

وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم ، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره ، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره ، وإن كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر ، وربما اختلفوا فيه :

لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين ، والقول الرصين .

ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه ، وتروع بهجته ورواؤه ، [ ص: 114 ] ويسلس مأخذه ، ويسلم وجهه ومنفذه ، ويكون قريب المتناول ، غير عويص اللفظ ، ولا غامض المعنى .

كما قد يختار قوم ما يغمض معناه ، ويغرب لفظه ، ولا يختار ما سهل على اللسان ، وسبق إلى البيان .

وروي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وصف زهيرا ، فقال : كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه . وقال لعبد بني الحسحاس حين أنشده :


كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا



أما إنه لو قلت مثل هذا لأجزتك عليه .

وروي أن جريرا سئل عن أحسن الشعر ؟ فقال : قوله :


إن الشقي الذي في النار منزله     والفوز فوز الذي ينجو من النار



كأنه فضله لصدق معناه .

ومنهم من يختار الغلو في قول الشعر والإفراط فيه ، حتى ربما قالوا : أحسن الشعر أكذبه ؛ كقول النابغة :


يقد السلوقي المضاعف نسجه     ويوقدن بالصفاح نار الحباحب



وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين : في الغلو والاقتصاد ، وفي المتانة والسلاسة .

[ ص: 115 ] ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة ، وألطف تعملا ؛ وأن يتخير الألفاظ الرشيقة للمعاني البديعية والقوافي الواقعة ، كمذهب البحتري ، وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب في قوله :


في نظام من البلاغة ما شكـ     ـك امرؤ أنه نظام فريد
وبديع كأنه الزهر الضا     حك في رونق الربيع الجديد
حزن مستعمل الكلام اختيارا     وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركـ     ـن به غاية المراد البعيد
كالعذارى غدون في الحلل الـ     بيض إذا رحن في الخطوط السود



ويرون أن من تعدى هذا كان سالكا مسلكا عاميا ، ولم يروه شاعرا ولا مصيبا .

وفيما كتب إلي الحسن بن عبد الله : أبو أحمد العسكري ؛ قال : أخبرني محمد بن يحيى ، قال : أخبرني عبد الله بن الحسين قال : قال لي البحتري :

دعاني " علي بن الجهم " فمضيت إليه ، فأفضنا في أشعار المحدثين ، إلى أن ذكرنا شعر أشجع السلمي ؛ فقال لي : إنه يخلي ، وأعادها مرات ، ولم أفهمها ؛ وأنفت أن أسأله عن معناها ، فلما انصرفت أفكرت في الكلمة ونظرت في شعره ، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع ؛ [ ص: 116 ] وإذا هو يريد هذا بعينه : أن يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيت نادر ؛ كما أن الرامي إذا رمى برشقة فلم يصب بشيء ، قيل : قد أخلى . قال : وكان " علي بن الجهم " أحسن الناس علما بالشعر .

وقوم من أهل اللغة يميلون إلى الرصين من الكلام ، الذي يجمع الغريب والمعاني ، مثل أبي عمرو بن العلاء ، وخلف الأحمر ، والأصمعي .

ومنهم من يختار الوحشي من الشعر ، كما اختار المفضل للمنصور من " المفضليات " وقيل : إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن .

وذكر الحسن بن عبد الله : أنه أخبره بعض الكتاب عن علي بن العباس ؛ قال : حضرت مع البحتري مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ، وقد سأل البحتري عن أبي نواس ومسلم بن الوليد : أيهما أشعر ؟ فقال البحتري : أبو نواس أشعر . فقال عبيد الله : إن أبا العباس ثعلبا لا يطابقك على قولك ، ويفضل مسلما.

فقال البحتري : ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله ، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك الشعر إلى مضايقه ، وانتهى إلى ضروراته .

فقال له عبيد الله : وريت بك زنادي يا أبا عبادة ، وقد وافق حكمك حكم أخيك بشار بن برد في جرير والفرزدق ، فإن دعبلا حدثني عن أبي نواس ، أنه حضر بشارا ، وقد سئل عن جرير والفرزدق ، وأيهما أشعر ؟ فقال : جرير أشعرهما . فقيل له : بماذا ؟ فقال : لأن جريرا يشتد ، إذا شاء ، وليس كذلك الفرزدق ؛ لأنه يشتد أبدا .

فقيل له : فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق على جرير .

[ ص: 117 ] فقال : ليس هذا من عمل أولئك القوم ، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله ؛ وفي الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق ، ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول جرير :


لولا الحياء لعادني استعبار     ولزرت قبرك والحبيب يزار



وروي عن أبي عبيدة : أنه قال للفرزدق : ما لك لا تنسب كما ينسب جرير ؟ فغاب حولا ، ثم جاء فأنشد :


يا أخت ناجية بن سامة إنني     أخشى عليك بني إن طلبوا دمي



والأعدل في الاختيار ما سلكه أبو تمام من الجنس الذي جمعه في كتاب " الحماسة " ، وما اختاره من " الوحشيات " ؛ وذلك أنه تنكب المستنكر الوحشي ، والمبتذل العامي ، وأتى بالواسطة .

وهذه طريقة من ينصف في الاختيار ، ولا يعدل به غرض يخص ؛ لأن الذين اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم ، وإظهار التقدم في معرفته ، وعجز غيرهم عنه ؛ ولم يكن قصدهم جيد الأشعار لشيء يرجع إليها في أنفسها .

ويبين هذا : أن الكلام موضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على المراد ، وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب ، ولم يكن مستكره المطلع على الأذن ، ولا مستنكر المورد على النفس ، حتى يتأبى بغرابته في اللفظ عن الإفهام ، أو يمتنع بتعويص معناه عن الإبانة . ويجب أن يتنكب ما كان عامي اللفظ ، مبتذل العبارة ، ركيك المعنى ، سفسافي الوضع ، مجتلب [ ص: 118 ] التأسيس على غير أصل ممهد ، ولا طريق موطد .

وإنما فضلت العربية على غيرها ، لاعتدالها في الوضع . لذلك وضع أصلها على أن أكثرها هو بالحروف المعتدلة ، فقد أهملوا الألفاظ المستكرهة في نظمها ، وأسقطوها من كلامهم ، وجعلوا عامة لسانهم على الأعدل . ولذلك صار أكثر كلامهم من الثلاثي ، لأنهم بدؤوا بحرف وسكتوا على آخر ، وجعلوا حرفا وصلة بين الحرفين ؛ ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك . والثنائي أقل . وكذلك الرباعي والخماسي أقل ؛ ولو كان كله ثنائيا لتكررت الحروف . ولو كان كله رباعيا أو خماسيا لكثرت الكلمات .

وكذلك بني أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا : فأكثر هذه السور التي ابتدئت بذكر الحروف ، ذكر فيها ثلاثة أحرف . وما هو أربعة أحرف سورتان . وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان .

فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه :

فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا ، وإنما جعله فعلا واسما لشيء خاص .

ومن جعل ذلك حرفا قال : أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها .

ولضيق ما سوى كلام العرب ، أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيرا ، كنحو تكرر الطاء والسين في لسان يونان ؛ وكنحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان الترك ؛ ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية .

والعربية أشدها تمكنا ، وأشرفها تصرفا وأعدلها ؛ ولذلك جعلت حلية لنظم القرآن ، وعلق بها الإعجاز ، وصار دلالة في النبوة .

* * *

[ ص: 119 ] وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس ، التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها ؛ فما كان أقرب في تصويرها ، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها ، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد ، وأشد تحقيقا في الإيضاح عن المطلب وأعجب في وضعه ، وأرشق في تصرفه ، وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفا .

وقد شبهوا النطق بالخط ، والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة وصحة ، وملاحة ولطف ، حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال .

شبهوا الخط والنطق بالتصوير ؛ وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك الباكي المتضاحك ، والباكي الحزين ، والضاحك المتباكي ، والضاحك المستبشر . وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة ، فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير .

وفي جملة الكلام ما تقصر عبارته وتفضل معانيه . وفيه ما تقصر معانيه وتفضل العبارات . وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر . ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى أنه قد يفيدها على جملة وقد يفيدها على تفصيل .

وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا شريفا ، وغريبا لطيفا . وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا ، ومصنوعا متعسفا ؛ وقد يكون كل واحد منهما حسنا رشيقا ، وبهيجا نضيرا . وقد يتفق أحد الأمرين دون الآخر . وقد يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما . وإنما يميز من يميز ، ويعرف من يعرف . والحكم في ذلك صعب شديد ، والفصل فيه شأو بعيد . وقد قل من [ ص: 120 ] يميز أصناف الكلام ؛ فقد حكي عن طبقة أبي عبيدة وخلف الأحمر وغيرهما في زمانهما ، أنهم قالوا : ذهب من يعرف نقد الشعر .

وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار ، وما يجب أن يجمعوا عليه ، ويرجعوا عند التحقيق إليه ؛ فكلام المقتدر نمط ، وكلام المتوسط باب ، وكلام المطبوع له طريق ، وكلام المتكلف له منهاج ، والكلام المصنوع المطبوع له باب .

ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة ، لم تخف عليه هذه الوجوه ، ولم تشتبه عنده هذه الطرق : فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه ، وقدر كل كلام في نفسه ، ويحله محله ، ويعتقد فيه ما هو عليه ، ويحكم فيه بما يستحق من الحكم .

وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء ، عرف ذلك منه . وإن كان يعم إحسانه ، عرف .

ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو . ومنهم من يجود في الهجو وحده ؛ ومنهم من يجود في المزح والسخف ؛ ومنهم من يجود في الأوصاف .

والعالم لا يشذ عنه شيء من ذلك ، ولا تخفى عليه مراتب هؤلاء ، ولا تذهب عليه أقدارهم ؛ حتى إنه إذا عرف طريقة شاعر في قصائد معدودة ، فأنشد غيرها من شعره - لم يشك أن ذلك من نسجه ، ولم يرتب في أنها من نظمه ، كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه حيث رآه من بين الخطوط المختلفة ، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره ؛ وكذلك أمر الخطب .

[ ص: 121 ] فإن اشتبه عليه البعض ، فهو لاشتباه الطريقين ، وتماثل الصورتين ، كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري : في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع ، ويقصد فيه التسهل ، ويسلك الطريقة الكتابية ، ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويص المعاني ، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحتري وألفاظه .

ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبي نواس من سبك مسلم، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري ، وينبهه ديباجة شعر البحتري ، وكثرة مائه ، وبديع رونقه ، وبهجة كلامه ؛ إلا فيما يسترسل فيه ، فيشتبه بشعر ابن الرومي ؛ ويحركه ما لشعر أبي نواس من الحلاوة ، والرقة ، والرشاقة ، والسلاسة ، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم .

وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف ، وبين شعر امرئ القيس ، وبين شعر النابغة وزهير ، وبين شعر جرير والأخطل ، والبعيث والفرزدق . وكل له منهج معروف ، وطريق مألوف .

ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين طبقة من بعده ؛ حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " وبين رسائل أهل عصره ومن بعده ممن برع في صنعة الرسائل ، وتقدم في شأوها ، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين ، وحتى خلص لنفسه طريقة ، وأنشأ لنفسه منهاجا ؛ فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع ، وتارة طريقة الأصل ؛ وبرع في ذلك باقتداره ، وتقدم بحذقه ، ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقه من طريق غيره ؛ وإن كان قد يشتبه البعض ، ويدق القليل ، وتغمض الأطراف ، وتشذ النواحي .

[ ص: 122 ] وقد يتقارب سبك نفر من شعراء عصر ، وتتدانى رسائل كتاب دهر ، حتى تشتبه اشتباها شديدا ، وتتماثل تماثلا قريبا ؛ فيغمض الأصل .

وقد يتشاكل الفرع والأصل ، وذلك فيما لا يتعذر دراك أمده ، ولا يتصعب طلاب شأوه ، ولا يمنع بلوغ غايته ، والوصول إلى نهايته ؛ لأن الذي ينفق من الفصل بين أهل الزمان إذا تفاضلوا في سبق ، وتفاوتوا في مضمار ؛ فصل قريب ، وأمر يسير .

وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ ولا سارق المعاني ، ولا من يخترعها ، ولا من يلم بها ، ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم به ، ولا من يخترع الكلام اختراعا ، ويبتدهه ابتداها ، ممن يروي فيه ، ويجيل الفكر في تنقيحه ، ويصبر عليه ، حتى يتخلص له ما يريد ، وحتى يتكرر نظره فيه .

قال أبو عبيدة : سمعت أبا عمرو يقول : زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر ؛ لأنهم نقحوه ، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين .

وكان زهير يسمي كبر شعره " الحوليات المنقحة " .

وقال عدي بن الرقاع :


وقصيدة قد بت أجمع بينها     حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناته     حتى يقيم ثقافه منآدها



وكقول سويد بن كراع :


أبيت بأبواب القوافي كأنما     أصادي بها سربا من الوحش نزعا



[ ص: 123 ] ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر ، ونفاذ الطبع وسرعة النظم ، يرتجل القول ارتجالا ، ويطبعه عفوا صفوا ؛ فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم ، وجاهدوا خواطرهم .

وكذلك لا يمكن أن يخفى عليهم الكلام العلوي ، واللفظ الملوكي ؛ كما لا يخفى عليهم الكلام العامي ، واللفظ السوقي ؛ ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا ، ويعطونه - كيف تصرف - حقوقه ، ويعرفون مراتبه ؛ فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم ، من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره ، ولا يساهمه سواه .

ألا تراهم وصفوا زهيرا بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر ؛ قاله أبو عبيدة ؟

وروي أن الفرزدق انتحل بيتا من شعر جرير ، وقال : هذا يشبه شعري .

فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن ؛ وهذا كما يعلم البزاز أن هذا الديباج عمل بتستر ، وهذا لم يعمل بتستر ، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان ، ومن نسج فلان دون فلان ؛ حتى لا يخفى عليه ، وإن كان قد يخفى على غيره .

ثم إنهم يعلمون أيضا من له سمت بنفسه ، ورفت برأسه ؛ ومن يقتدي في الألفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره ، ويجعل سواه قدوة له ؛ ومن يلم في الأحوال بمذهب غيره ، ويطور في الأحيان بجنبات كلامه .

وهذه أمور ممهدة عند العلماء ، وأسباب معروفة عند الأدباء ؛ وكما يقولون : إن " البحتري " يغير على " أبي تمام " إغارة ، ويأخذ منه صريحا وإشارة ؛ [ ص: 124 ] ويستأنس بالأخذ منه بخلاف ما يستأنس بالأخذ من غيره ، ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه ؛ وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم ؛ وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى ، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى .

وما الذي نفع " المتنبي " جحوده الأخذ ، وإنكاره معرفة " الطائيين " ، وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهارا ، أو ألم بهما فيه سرارا ؟ !

وأما ما لم يأخذ عن الغير ، ولكن سلك النمط ، وراعى النهج ؛ فهم يعرفونه ، ويقولون : هذا أشبه به من التمر بالتمرة ، وأقرب إليه من الماء إلى الماء ؛ وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة . فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه ، وسلك في غير جانبه ؛ قيل : بينهما ما بين السماء والأرض ، وما بين النجم والنون ، وما بين المشرق والمغرب .

* * *

وإنما أطلت عليك ، ووضعت جميعه بين يديك ؛ لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله ، وغامضه وجليه ، وقريبه وبعيده ، ومعوجه ومستقيمه . فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول ، وهو قريب متناول ؛ من أمر يخرج عن أجناس كلامهم ، ويبعد عما هو في عرفهم ، ويفوت مواقع قدرهم ؟ !

وإذا اشتبه ذلك ، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة ، أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه بينهم ولا يتجاوزونه ؛ فلكلامهم سبل مضبوطة ، وطرق معروفة محصورة .

وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا الشأن ؛ فيدعي أنه أشعر من البحتري ، ويتوهم أنه أدق مسلكا من أبي نواس ، وأحسن طريقا من مسلم ! وأنت تعلم أنهما متباعدان ، وتتحقق أنهما لا يجتمعان ، [ ص: 125 ] ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار صاحبه ، ويطالع ضياء نجمه ، ويراعي خفوق جناحه وهو راكد في موضعه ، ولا يضر البحتري ظنه ، ولا يلحقه بشأوه وهمه .

فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد ، فصاحة القرآن ، وموقع بلاغته ، وعجيب براعته - فما عليك منه ؛ إنما يخبر عن نقصه ، ويدل على عجزه ، ويبين عن جهله ، ويصرح بسخافة فهمه ، وركاكة عقله .

وإنما قدمنا ما قدمناه في هذا الفصل ، لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه ، أمر لا يجوز غيره ، ولا يحتمل سواه ، ولا يشتبه على ذي بصيرة ، ولا يخيل عند أخي معرفة ؛ كما يعرف الفصل بين طبائع الشعراء من أهل الجاهلية ، وبين المخضرمين ، وبين المحدثين ، ويميز بين من يجري على شاكلة طبعه وغريزة نفسه ، وبين من يشتغل بالتكلف والتصنع ، وبين من يصير التكلف له كالمطبوع ، وبين من كان مطبوعه كالمتعمل المصنوع .

هيهات هيهات ! ! هذا أمر - وإن دق - فله قوم يقتلونه علما ، وأهل يحيطون به فهما ، ويعرفونه إليك إن شئت ، ويصورونه لديك إن أردت ، ويجلونه على خواطرك إن أحببت ، ويعرفونه لفطنتك إن حاولت ؛ وقد قال القائل :


للحرب والضرب أقوام لها خلقوا     وللدواوين كتاب وحساب



ولكل عمل رجال ، ولكل صنعة ناس ، وفي كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط ؛ ولكن قد قل من يميز في هذا الفن خاصة ، وذهب من يحصل في هذا الشأن ، إلا قليلا !

فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها - من التناهي في معرفة الفصاحات ، [ ص: 126 ] والتحقق بمجاري البلاغات - فإنما يكفيك التأمل ، ويغنيك التصور .

وإن كنت في الصنعة مرمدا ، وفي المعرفة بها متوسطا ، فلا بد لك من التقليد ، ولا غنى بك عن التسليم . إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها ، والشادي فيها كالبائن منها .

فإن أراد أن نقرب عليه أمرا ، ونفسح له طريقا ، ونفتح له بابا - ليعرف به إعجاز القرآن - ؛ فإنا نضع بين يديه الأمثلة ، ونعرض عليه الأساليب ، ونصور له صور كل قبيل من النظم والنثر ، ونحضره من كل فن من القول شيئا يتأمله حق تأمله ، ويراعيه حق رعايته ، فيستدل استدلال العالم ، ويستدرك استدراك الناقد ، ويقع له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية ، الطالع عن الإلهية ؛ الجامع بين الحكم والحكم ، والإخبار عن الغيوب والغائبات ، والمتضمن لمصالح الدنيا والدين ، والمستوعب لجلية اليقين ؛ والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها بالألفاظ الشريفة ؛ على تفننها وتصرفها . ونعمد إلى شيء من الشعر المجمع عليه ، فنبين وجه النقص فيه ، وندل على انحطاط رتبته ، ووقوع أبواب الخلل فيه ؛ حتى إذا تأمل ذلك ، وتأمل ما نذكره - من تفصيل إعجاز القرآن وفصاحته ، وعجيب براعته - انكشف له واتضح ، وثبت ما وصفناه لديه ووضح ؛ وليعرف حدود " البلاغة " ، ومواقع البيان " والبراعة " ووجه التقدم في " الفصاحة " .

وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين : أن الفارسي سئل ، فقيل له : ما " البلاغة " ؟ فقال : معرفة الفصل من الوصل .

وسئل اليوناني عنها ؟ فقال : تصحيح الأقسام ، واختيار الكلام .

وسئل الرومي عنها ؟ فقال : حسن الاقتضاب عند البداهة ، والغزازة يوم الإطالة .

[ ص: 127 ] وسئل الهندي عنها ؟ فقال : وضوح الدلالة ، وانتهاز الفرصة ، وحسن الإشارة .

وقال مرة : التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول ، وقلة الخرق بما التبس من المعاني ، أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر . وزينته أن تكون الشمائل موزونة ، والألفاظ معدلة ، واللهجة نقية ؛ وأن لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ، ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة ، ولا يدقق المعاني كل التدقيق ، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح ، ولا يصفيها كل التصفية ، ولا يهذبها بغاية التهذيب .

وأما " البراعة " فهي فيما يذكر أهل اللغة : الحذق بطريقة الكلام وتجويده ، وقد يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة .

وأما " الفصاحة " فقد اختلفوا فيها :

فمنهم من عبر عن معناها بأنه : ما كان جزل اللفظ ، حسن المعنى .

وقد قيل : معناها : الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس ، على عبارات جلية ، ومعان نقية بهية .

* * *

والذي يصور عندك ما ضمنا تصويره ، ويحصل لديك معرفته - إذا كنت في صنعة الأدب متوسطا ، وفي علم العربية متبينا - أن تنظر أولا في [ ص: 128 ] في نظم القرآن ، ثم في شيء من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فتعرف الفصل بين النظمين ، والفرق بين الكلامين .

فإن تبين لك الفصل ، ووقعت على جلية الأمر وحقيقة الفرق - فقد أدركت الغرض ، وصادفت المقصد .

وإن لم تفهم الفرق ، ولم تقع على الفصل - فلا بد لك من التقليد ، وعلمت أنك من جملة العامة ، وأن سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث