الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها

جزء التالي صفحة
السابق

باب بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها قال الله تعالى : والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد [ ص: 61 ] روى إسماعيل بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها .

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " كانوا يرون الحرم كله مسجدا سواء العاكف فيه والبادي " .

وروى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن سابط : سواء العاكف فيه والباد قال : " من يجيء من الحاج والمعتمرين سواء في المنازل ينزلون حيث شاءوا غير أن لا يخرج من بيته ساكنه " قال : وقال ابن عباس في قوله : سواء العاكف فيه والباد قال : العاكف فيه أهله ، والباد من يأتيه من أرض أخرى وأهله في المنزل سواء ، وليس ينبغي لهم أن يأخذوا من البادي إجارة المنزل .

وروى جعفر بن عون عن الأعمش عن إبراهيم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مكة حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها .

وروى أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

وروى عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال : " كانت رباع مكة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر وعمر وعثمان تسمى السوائب من احتاج سكن ومن استغنى سكن " .

وروى الثوري عن منصور عن مجاهد قال : قال عمر : " يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء " . وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : " أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج " .

وروى ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمر قال : " من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا في بطنه " .

وروى عثمان بن الأسود عن عطاء قال : " يكره بيع بيوت مكة وكراؤها " . وروى ليث عن القاسم قال : " من أكل كراء بيوت مكة فإنما يأكل نارا " .

وروى معمر عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد : " كانوا يكرهون أن يبيعوا شيئا من رباع مكة " .

قال أبو بكر : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما ذكرنا ، وروي عن الصحابة والتابعين ما وصفنا من كراهة بيع بيوت مكة وأن الناس كلهم فيها سواء ، وهذا يدل على أن تأويلهم لقوله تعالى : والمسجد الحرام للحرم كله . وقد روي عن قوم إباحة بيع بيوت مكة وكراؤها ، وروى ابن جريج عن هشام بن حجير قال : كان لي بيت بمكة فكنت أكريه ، فسألت طاوسا فأمرني بأكله .

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء : سواء العاكف فيه والباد قالا : " سواء في تعظيم البلد وتحريمه " وروى عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ قال : " اشترى نافع بن عبد الحارث دار السجن لعمر بن الخطاب من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم [ ص: 62 ] فإن رضي عمر فالبيع له وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة درهم " زاد عبد الرحمن عن معمر : " فأخذها عمر " . وقال أبو حنيفة : " لا بأس ببيع بناء بيوت مكة وأكره بيع أراضيها " وروى سليمان عن محمد عن أبي حنيفة قال : " أكره إجارة بيوت مكة في الموسم وفي الرجل يقيم ثم يرجع ، فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأسا " .

وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن بيع دور مكة جائز .

قال أبو بكر : لم يتأول هؤلاء السلف المسجد الحرام على الحرم كله إلا والاسم شامل له من طريق الشرع ، إذ غير جائز أن يتأول الآية على معنى لا يحتمله اللفظ ، وفي ذلك دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم المسجد على الحرم من طريق التوقيف ، ويدل عليه قوله تعالى : إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام والمراد فيما روي : الحديبية ، وهي بعيدة من المسجد قريبة من الحرم ، وروي أنها على شفير الحرم .

وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مضربه في الحل ومصلاه في الحرم " وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام ههنا الحرم كله ، ويدل عليه قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والمراد إخراج المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة ، فجعل المسجد الحرام عبارة عن الحرم . ويدل على أن المراد جميع الحرم كله قوله تعالى : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم والمراد به من انتهك حرمة الحرم بالظلم فيه . وإذا ثبت ذلك اقتضى قوله : سواء العاكف فيه والباد تساوي الناس كلهم في سكناه والمقام به .

فإن قيل : يحتمل أن يريد به أنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه وحرمته . قيل له : هو على الأمرين جميعا من اعتقاد تعظيمه وحرمته ومن تساويهم في سكناه والمقام به ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه ؛ لأن لغير المشتري سكناه كما للمشتري فلا يصح للمشتري تسلمه والانتفاع به حسب الانتفاع بالأملاك ، وهذا يدل على أنه غير مملوك ، وأما إجارة البيوت فإنما أجازها أبو حنيفة إذا كان البناء ملكا للمؤاجر فيأخذ أجرة ملكه ، فأما أجرة الأرض فلا تجوز ، وهو مثل بناء الرجل في أرض لآخر يكون لصاحب البناء إجارة البناء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث