الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي

جزء التالي صفحة
السابق

الفرع الرابع : قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية ، وفي حجة الوداع ، ودل القرآن على أن النحر قبل الحلق في موضعين : أحدهما : قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) .

والثاني : قوله تعالى في سورة " الحج " : ( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) [ الآية : 28 ] .

فالمراد بقوله : ( ليذكروا اسم الله على ما رزقهم ) الآية [ 22 \ 34 ] ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعا ، وقد قال تعالى بعده عاطفا بثم التي هي للترتيب ( ثم ليقضوا تفثهم ) [ 22 \ 29 ] . وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق ، فهو نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق ، ومن إطلاق التفث على الشعر ونحوه ، قول أمية بن أبي الصلت : [ البسيط ]

حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا



وروى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا : [ البسيط ]

ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا     وينزعوا عنهم قملا وصئبانا



ومنه قول الآخر : [ الوافر ]

قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا     إلى نجد وما انتظروا عليا



فهذه النصوص تدل دلالة لا لبس فيها على أن الحلق بعد النحر ، ولكن إذا عكس الحاج أو المعتمر ، فحلق قبل أن ينحر ، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أن ذلك لا حرج فيه ، والتعبير بنفي الحرج يدل بعمومه على سقوط الإثم والدم معا ، وقيل فيمن حلق قبل أن ينحر محصرا كان أو غيره : إنه عليه دم ، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : عليه دم . قال إبراهيم وحدثني سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله . ذكره في المحصر .

[ ص: 88 ] قال الشوكاني في " نيل الأوطار " : والظاهر عدم وجوب الدم ; لعدم الدليل .

قال مقيده عفا الله عنه : الظاهر : أن الدليل عند من قال بذلك هو الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم ، لما صده المشركون عام الحديبية نحر قبل الحلق ، وأمر أصحابه بذلك ، فمن ذلك ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود ، عن المسور ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه : " قوموا فانحروا ، ثم احلقوا " .

وللبخاري عن المسور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر قبل أن يحلق ، وأمر أصحابه بذلك ، ا هـ . فدل فعله وأمره على أن ذلك هو اللازم للمحصر ، ومن قدم الحلق على النحر فقد عكس ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أخل بنسك فعليه دم .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي تدل عليه نصوص السنة الصحيحة أن النحر مقدم على الحلق ، ولكن من حلق قبل أن ينحر فلا حرج عليه من إثم ولا دم ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب من سأله ، بأنه ظن الحلق قبل النحر فنحر قبل أن يحلق ، بأن قال له : " افعل ولا حرج " .

ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " أيضا عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له في الذبح ، والحلق ، والرمي ، والتقديم والتأخير فقال : " لا حرج " .

وفي رواية للبخاري ، وأبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه سأله رجل فقال : حلقت قبل أن أذبح ، قال : " اذبح ولا حرج " ، وقال : رميت بعد ما أمسيت ، فقال : " افعل ولا حرج " .

وفي رواية للبخاري ، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : زرت قبل أن أرمي ، قال : " لا حرج " ، قال : حلقت قبل أن أذبح ، قال : " لا حرج " ، والأحاديث بمثل هذا كثيرة . وهي تدل دلالة لا لبس فيها على أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه من إثم ولا فدية ; لأن قوله : " لا حرج " نكرة في سياق النفي ركبت مع لا فبنيت على الفتح ، والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في العموم ، فالأحاديث إذن نص صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج من إثم وفدية . والله تعالى أعلم .

ولا يتضح حمل الأحاديث المذكورة على من قدم الحلق جاهلا أو ناسيا ، وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل ; لأن بعض [ ص: 89 ] تلك الأحاديث الواردة في الصحيح ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل ، فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص بالنسيان والجهل . وقد تقرر أيضا في علم الأصول أن جواب المسئول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة ; لأن تخصيص المنطوط بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال ، فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، وقد أشار له في " مراقي السعود " في مبحث موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله عاطفا على ما يمنع اعتباره : [ الرجز ]

أو جهل الحكم أو النطق انجلب     للسؤل أو جرى على الذي غلب



كما يأتي بيانه في الكلام على قوله تعالى : ( الطلاق مرتان ) الآية [ 2 \ 229 ] وبه تعلم أن وصف عدم الشعور الوارد في السؤال لا مفهوم له .

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال : إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور ، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها .

ولهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب ، انتهى محل الغرض منه بلفظه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث