الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر ملك سابور بن أردشير بن بابك

ولما هلك أردشير بن بابك قام بالملك بعده ابنه سابور ، وكان أردشير قد أسرف في قتل الأشكانية حتى أفناهم بسبب ألية آلاها جده ساسان بن أردشير بن بهمن ، فإنه أقسم أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خزة أحدا ، وأوجب ذلك على عقبه ، فكان أول من ملك من عقبه أردشير ، فقتلهم جميعا نساءهم ورجالهم ، غير أن جارية وجدها في دار المملكة فأعجبته ، وكانت ابنة الملك المقتول ، فسألها عن نسبها ، فذكرت أنها خادم لبعض نساء الملك . فسألها أبكر أم ثيب ، فأخبرته أنها بكر ، فاتخذها لنفسه وواقعها ، فعلقت منه ، فلما أمنت منه بحبلها أخبرته أنها من ولد أشك ، فنفر منها ودعا هرجد بن أسام ، وكان شيخا مسنا ، فأخبره الخبر ، وقال له ليقتلها ليبر قسم جده . فأخذها الشيخ ليقتلها ، فأخبرته أنها حبلى ، فأتى بالقوابل فشهدن بحبلها ، فأودعها سربا في الأرض ثم قطع مذاكيره ووضعها في حق وختم عليه ، وحضر عند الملك فقال : ما فعلت ؟ فقال : استودعتها بطن الأرض ، ودفع الحق إليه ، وسأل أن يختمه بخاتمه ويودعه بعض خزائنه ، ففعل .

ثم وضعت الجارية غلاما ، فكره الشيخ أن يسمى ابن الملك دونه ، وخاف يعلمه به وهو صغير ، فأخذ له الطالع وسماه شابور ، ومعناه ابن الملك ، فيكون اسما وصفة ، وهو أول من سمي بهذا الاسم .

وبقي أردشير لا يولد له ، فدخل الشيخ الذي عنده الصبي يوما فوجده محزونا ، فقال له : ما يحزن الملك ؟ فقال : ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت وصفا لي ملك آبائي ثم أهلك وليس لي عقب فيه . فقال له الشيخ : سرك الله أيها الملك وعمرك ! لك عندي ولد طيب نفيس ، فادع لي بالحق الذي استودعتك أرك [ ص: 353 ] برهان ذلك . فدعا أردشير بالحق وفتحه ، فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه : لما أخبرتني ابنة الملك أشك التي علقت من ملك الملوك حين أمر بقتلها لم أستحل إتلاف زرع الملك الطيب فأودعتها بطن الأرض كما أمر وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا .

فأمره أردشير أن يجعل مع سابور مائة غلام ، وقيل : ألف غلام من أشباهه في الهيئة والقامة ، ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم زي ، ففعل الشيخ . فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم ، ثم أعطوا صوالجة وكرة ، فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان ، فدخلت الكرة الإيوان ، فهاب الغلمان أن يدخلوه ، وأقدم سابور من بينهم ودخل ، فاستدل بإقدامه مع ما كان من قبوله له حين رآه أنه ابنه ، فقال له أردشير : ما اسمك ؟ قال : شاه بور .

فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده ، وكان عاقلا بليغا فاضلا ، فلما ملك ووضع التاج على رأسه فرق الأموال على الناس من قرب ومن بعد ، وأحسن إليهم ، فبان فضل سيرته وفاق جميع الملوك .

وبنى مدينة نيسابور ، ومدينة سابور بفارس ، وبنى فيروز سابور ، وهي الأنبار ، وبنى جنديسابور .

وقيل : إنه حاصر الروم بنصيبين ، وفيها جمع من الروم مدة ، ثم أتاه من ناحية خراسان ما احتاج إلى مشاهدته ، فسار إليها وأحكم أمرها ، ثم عاد إلى نصيبين ، فزعموا أن سورها تصدع وانفرجت منه فرجة دخل منها ، وقتل وسبى وغنم وتجاوزها إلى بلاد الشام فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة ، منها فالوقية وقدوقية ، وحاصر ملكا للروم بأنطاكية ، فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه فأسكنهم مدينة جنديسابور .

التالي السابق


الخدمات العلمية