الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فرع :

المصلي بالاجتهاد إذا ظهر له الخطأ في الاجتهاد له أحوال : أحدها : أن يظهر قبل الشروع في الصلاة ، فإن تيقن الخطأ في اجتهاده ، أعرض عنه واعتمد الجهة التي يعلمها أو يظنها الآن .

وإن لم يتيقن بل ظن أن الصواب جهة أخرى ؛ فإن كان دليل الاجتهاد الثاني عنده أوضح من الأول الآن ، اعتمد الثاني ، وإن كان الأول أوضح اعتمده ، وإن تساويا فله الخيار فيهما على الأصح ، وقيل : يصلي إلى الجهتين مرتين .

الحال الثاني : أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة . فإن تيقنه ، وجبت الإعادة على الأظهر ، سواء تيقن الصواب أيضا ، أم لا .

وقيل : القولان إذا تيقن الخطأ ، وتيقن الصواب . أما إذا لم يتيقن الصواب فلا إعادة قطعا .

والمذهب : الأول ، ولو تيقن الخطأ الذي قلده الأعمى ، فهو كتيقن خطأ المجتهد ، وأما إذا لم يتيقن الخطأ بل ظنه فلا إعادة عليه .

فلو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات باجتهادات فلا إعادة على الصحيح .

وعلى وجه شاذ : يجب إعادة الأربع .

وقيل : يجب إعادة غير الأخيرة ، ويجري هذا الخلاف ، سواء أوجبنا تجديد الاجتهاد ، أم لم نوجبه ففعله .

الحال الثالث : أن يظهر الخطأ في أثناء الصلاة ، وهو ضربان :

أحدهما : يظهر الصواب مقترنا بظهور الخطأ . فإن كان الخطأ متيقنا ، [ ص: 220 ] بنيناه على القولين في تيقن الخطأ بعد الفراغ . فإن قلنا بوجوب الإعادة ، بطلت صلاته ، وإلا فوجهان : وقيل : قولان .

أصحهما : ينحرف إلى جهة الصواب ، ويتم صلاته ، والثاني : تبطل ، وإن لم يكن الخطأ متيقنا ، بل مظنونا ، فعلى هذين الوجهين ، أو القولين ، الأصح : ينحرف ، ويبني ، وعلى هذا : الأصح لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات باجتهادات فلا إعادة كالصلوات ، وخص صاحب ( التهذيب ) الوجهين بما إذا كان الدليل الثاني أوضح من الأول . قال : فإن استويا تمم صلاته إلى الجهة الأولى ولا إعادة .

الضرب الثاني : أن لا يظهر الصواب مع الخطأ ، فإن عجز عن الصواب بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته . إن قدر عليه على القرب فهل ينحرف ويبني أم يستأنف ؟ فيه خلاف مرتب على الضرب الأول وأولى بالاستئناف .

قلت : الصواب هنا وجوب الاستئناف . والله أعلم .

مثاله : عرف أن قبلته يسار المشرق فذهب الغيم وظهر كوكب قريب من الأفق هو مستقبله ، فعلم الخطأ يقينا ولم يعلم الصواب ؛ إذ يحتمل كون الكوكب في المشرق ويحتمل المغرب .

لكن يعرف الصواب على قرب فإنه يرتفع فيعلم أنه مشرق ، أو ينحط فيعلم أنه مغرب ويعرف به القبلة ، وقد يعجز عن ذلك بأن يطبق الغيم عقب الكوكب .

فرع .

[ في المطلوب بالاجتهاد ]

قولان : أحدهما : جهة الكعبة ، وأظهرهما : عينها . اتفق العراقيون والقفال على تصحيحه ولو ظهر الخطأ في التيامن أو التياسر ، فإن كان [ ص: 221 ] ظهوره بالاجتهاد ، وظهر بعد الفراغ ، لم يؤثر قطعا ، وإن كان في أثنائها انحرف وأتمها قطعا ، وإن كان ظهور باليقين ، وقلنا : الفرض جهة الكعبة ، فكذلك .

وإن قلنا : عينها ، ففي وجوب الإعادة بعد الفراغ ، والاستئناف في الأثناء القولان . قال صاحب ( التهذيب ) وغيره : ولا يستيقن الخطأ في الانحراف مع البعد عن مكة ، وإنما يظن ، ومع القرب يمكن التيقن والظن ، وهذا كله كالتوسط بين اختلاف أطلقه أصحابنا العراقيون : أنه هل يتيقن الخطأ في الانحراف من غير معاينة الكعبة ، من غير فرق بين القرب من مكة والبعد ؟ فقالوا : قال الشافعي رحمه الله : لا يتصور إلا بالمعاينة ، وقال بعض الأصحاب : يتصور .

فرع :

إذا صلى باجتهاد ثم أراد فريضة أخرى حاضرة أو فائتة ، وجب إعادة الاجتهاد على الأصح . ثم قيل الوجهان ، إذا لم يفارق موضعه . فإن فارقه وجب إعادته قطعا كالتيمم .

ولكن الفرق ظاهر ، ولا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد للنافلة قطعا ولو رأى اجتهاد رجلين إلى جهتين ، عمل كل باجتهاده ، ولا يقتدي بصاحبه ، ولو اجتهد جماعة ، واتفق اجتهادهم فأمهم أحدهم ، ثم تغير اجتهاد مأموم لزمه المفارقة ، وينحرف إلى الجهة الثانية ، وهل له البناء ، أم عليه الاستئناف ؟ فيه الخلاف المتقدم في تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة ، وهل هو مفارق بعذر ، أو بغير عذر لتركه كمال البحث ؟ وجهان :

قلت : الأصح الأول . والله أعلم .

ولو تغير اجتهاد الإمام انحرف إلى الجهة الثانية بانيا أو مستأنفا ، على الخلاف ، ويفارقه المأمومون ، ولو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن ، والتياسر ، [ ص: 222 ] والجهة الواحدة ، فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك ، فهو كالاختلاف في الجهة ، فلا يقتدي أحدهما بالآخر ، وإلا فلا بأس ، ولو شرع المقلد في الصلاة بالتقليد فقال له عدل أخطأ بك فلان فله حالان :

أحدهما : أن يكون قوله عن اجتهاد . فإن كان قول الأول أرجح عنده لزيادة عدالته أو هدايته للأدلة أو مثله ، أو لم يعرف هل هو مثله أم لا ؟ لم يجب العمل بقول الثاني ، وهل تجوز العمل به ؟ يبني على أن المقلد إذا وجد مجتهدين ، هل يجب الأخذ بأعلمهما ، أم يتخير ؟ فإن قلنا : بالأول لم يجز وإلا ففيه خلاف .

قلت : الصحيح : أنه لا يجوز . والله أعلم .

وإن كان الثاني أرجح ، فهو كتغير اجتهاد البصير ، فينحرف ، ويجئ الخلاف في أنه يبني ، أم يستأنف ؟ ولو قال له المجتهد الثاني بعد الفراغ من الصلاة ، لم يلزم الإعادة قطعا وإن كان الثاني أرجح ، كما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ .

الحال الثاني : أن يخبر عن علم ومعاينة ، فيجب الرجوع إلى قوله وإن كان قول الأول أقوى عنده ، ومن هذا القبيل ، أن يقول للأعمى : أنت مصل إلى الشمس ، والأعمى يعلم أن قبلته إلى غير الشمس ، فيلزم الاستئناف على الأظهر .

ولو قال الثاني : أنت على الخطأ قطعا ، وجب قبوله قطعا ، وسواء أخبره هذا القاطع بالخطأ عن الصواب ، متيقنا أو مجتهدا ، يجب قبوله ؛ لأن تقليد الأول بطل بقطع هذا .

وكل المذكور في الحالين ، مفروض فيما إذا أخبر الثاني بالخطأ والصواب جميعا . فإن أخبره عن الخطأ وحده ، على صورة يجب قبولها ، ولم يخبر هو ولا غيره بالصواب ، فهو كاختلاف المجتهدين عليه في أثناء الصلاة ، وقد سبق في الفرع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث