الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3412 ] ولله ما في السماوات وما في الأرض. ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ..

وهذا التقرير لملكية الله - وحده - لما في السماوات وما في الأرض، يمنح قضية الآخرة قوة وتأثيرا. فالذي جعل الآخرة وقدرها هو الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض وحده، فهو القادر على الجزاء، المختص به، المالك لأسبابه. ومن شأن هذه الملكية أن تحقق الجزاء الكامل العادل: ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ..

ثم يحدد الذين أحسنوا هؤلاء، والذين يجزيهم بالحسنى.. فهم:

الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. إلا اللمم ..

وكبائر الإثم هي كبار المعاصي. والفواحش كل ما عظم من الذنب وفحش. واللمم تختلف الأقوال فيه. فابن كثير يقول: وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغار الذنوب ومحقرات الأعمال. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله تعالى إذا كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة. فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي. ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه. فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم. وكذا قال مسروق والشعبي.

وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي، قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: "إلا اللمم" قال: القبلة والنظرة والغمزة والمباشرة. فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل. وهو الزنا.

فهذه أقوال متقاربة في تعريف اللمم.

وهناك أقوال أخرى:

قال علي بن طلحة عن ابن عباس: "إلا اللمم" إلا ما سلف. وكذا قال زيد بن أسلم.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية: إلا اللمم قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه.

وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار: حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا عن ابن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم .. قال:

هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما؟



وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل. ثم قال: هذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وكذا قال البزار لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيع. حدثنا يزيد بن زريع. حدثنا يونس، عن الحسن، [ ص: 3413 ] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (أراه رفعه) في الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم . قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود. واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود. قال: فذلك الإلمام..

وروي مثل هذا موقوفا على الحسن.

فهذه طائفة أخرى من الأقوال تحدد معنى اللمم تحديدا غير الأول.

والذي نراه أن هذا القول الأخير أكثر تناسبا مع قوله تعالى بعد ذلك: إن ربك واسع المغفرة .. فذكر سعة المغفرة يناسب أن يكون اللمم هو الإتيان بتلك الكبائر والفواحش، ثم التوبة. ويكون الاستثناء غير منقطع. ويكون الذين أحسنوا هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. إلا أن يقعوا في شيء منها ثم يعودوا سريعا ولا يلجوا ولا يصروا. كما قال الله سبحانه: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون .. وسمى هؤلاء "المتقين" ووعدهم مغفرة وجنة عرضها السماوات والأرض .. فهذا هو الأقرب إلى رحمة الله ومغفرته الواسعة.

وختم الآية بأن هذا الجزاء بالسوأى وبالحسنى مستند إلى علم الله بحقيقة دخائل الناس في أطوارهم كلها.

هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ..

فهو العلم السابق على ظاهر أعمالهم. العلم المتعلق بحقيقتهم الثابتة، التي لا يعلمونها هم، ولا يعرفها إلا الذي خلقهم. علم كان وهو ينشئ أصلهم من الأرض وهم بعد في عالم الغيب. وكان وهم أجنة في بطون أمهاتهم لم يروا النور بعد. علم بالحقيقة قبل الظاهر. وبالطبيعة قبل العمل.

ومن كانت هذه طبيعة علمه يكون من اللغو - بل من سوء الأدب - أن يعرفه إنسان بنفسه، وأن يعلمه - سبحانه - بحقيقته! وأن يثني على نفسه أمامه يقول له: أنا كذا وأنا كذا:

فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ..

فما هو بحاجة إلى أن تدلوه على أنفسكم، ولا أن تزنوا له أعمالكم; فعنده العلم الكامل. وعنده الميزان الدقيق. وجزاؤه العدل. وقوله الفصل. وإليه يرجع الأمر كله.

بعد ذلك يجيء المقطع الأخير في السورة. في إيقاع كامل التنغيم، أشبه بإيقاع المقطع الأول. يقرر الحقائق الأساسية للعقيدة كما هي ثابتة منذ إبراهيم صاحب الحنيفية الأولى. ويعرف البشر بخالقهم، بتعليمهم بمشيئته الفاعلة المبدعة المؤثرة في حياتهم ويعرض آثارها واحدا واحدا بصورة تلمس الوجدان البشري وتذكره وتهزه هزا عميقا.. حتى إذا كان الختام وكان الإيقاع الأخير تلقته المشاعر مرتجفة مرتعشة متأثرة مستجيبة:

أفرأيت الذي تولى، وأعطى قليلا وأكدى؟ أعنده علم الغيب فهو يرى؟ أم لم ينبأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى. ألا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى. وأن إلى ربك المنتهى. وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا. وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى. وأن عليه النشأة الأخرى، وأنه هو أغنى وأقنى. وأنه هو رب الشعرى. [ ص: 3414 ] وأنه أهلك عادا الأولى. وثمود فما أبقى. وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى؟

هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة. أفمن هذا الحديث تعجبون، وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون؟

فاسجدوا لله واعبدوا ..

وذلك الذي تولى، وأعطى قليلا وأكدى .. الذي يعجب الله من أمره الغريب، تذكر بعض الروايات أنه فرد معين مقصود، أنفق قليلا في سبيل الله، ثم انقطع عن البذل خوفا من الفقر. ويحدد الزمخشري في تفسيره "الكشاف" شخصه، أنه عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ويذكر في ذلك قصة، لا يستند فيها إلى شيء، ولا يقبلها من يعرف عثمان - رضي الله عنه - وطبيعته وبذله الكثير الطويل في سبيل الله بلا توقف وبلا حساب كذلك; وعقيدته في الله وتصوره لتبعة العمل وفرديته.

وقد يكون المقصود شخصا بذاته. وقد يكون نموذجا من الناس سواء. فالذي يتولى عن هذا النهج، ويبذل من ماله أو من نفسه لهذه العقيدة ثم يكدي - أي يضعف عن المواصلة ويكف - أمره عجيب، يستحق التعجيب ويتخذ القرآن من حاله مناسبة لعرض حقائق العقيدة وتوضيحها.

أعنده علم الغيب فهو يرى؟ ..

والغيب لله. لا يراه أحد سواه. فلا يأمن الإنسان ما خبئ فيه; وعليه أن يواصل عمله وبذله، وأن يعيش حذرا موفيا طوال حياته; وألا يبذل ثم ينقطع، ولا ضمان له في الغيب المجهول إلا حذره وعمله ووفاؤه، ورجاؤه بهذا كله في مغفرة الله وقبوله.

أم لم ينبأ بما في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى ... ..

وهذا الدين قديم، موصولة أوائله وأواخره، ثابتة أصوله وقواعده، يصدق بعضه بعضا على توالي الرسالات والرسل، وتباعد المكان والزمان. فهو في صحف موسى. وهو في ملة إبراهيم قبل موسى. إبراهيم الذي وفى. وفى بكل شيء. وفى وفاء مطلقا استحق به هذا الوصف المطلق. ويذكر الوفاء هنا في مقابل الإكداء والانقطاع، ويذكر بهذه الصيغة (وفى) بالتشديد تنسيقا للإيقاع المنغم وللقافية المطردة.

فماذا في صحف موسى، وإبراهيم الذي وفى؟ فيها:

ألا تزر وازرة وزر أخرى ..

فلا تحمل نفس حمل أخرى; لا تخفيفا عن نفس ولا تثقيلا على أخرى. فلا تملك نفس أن تتخفف من حملها ووزرها. ولا تملك نفس أن تتطوع فتحمل عن نفس شيئا!

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ..

[ ص: 3415 ] كذلك. فما يحسب للإنسان إلا كسبه وسعيه وعمله. لا يزاد عليه شيء من عمل غيره. ولا ينقص منه شيء ليناله غيره. وهذه الحياة الدنيا هي الفرصة المعطاة له ليعمل ويسعى. فإذا مات ذهبت الفرصة وانقطع العمل. إلا ما نص عليه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له. أو صدقة جارية من بعده. أو علم ينتفع به".. وهذه الثلاثة في حقيقتها من عمله. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي - رحمه الله - ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ولو كان خيرا لسبقونا إليه. وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما..

وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى ..

فلن يضيع شيء من السعي والعمل والكسب; ولن يغيب شيء عن علم الله وميزانه الدقيق. وسينال كل امرئ جزاء سعيه وافيا كاملا لا نقص فيه ولا ظلم.

وكذلك يتحدد مبدأ فردية التبعة، إلى جانب عدالة الجزاء. فتتحقق للإنسان قيمته الإنسانية. القائمة على اعتباره مخلوقا راشدا مسؤولا مؤتمنا على نفسه; كريما تتاح له الفرصة للعمل ثم يؤخذ بما عمل وتتحقق له كذلك الطمأنينة على عدالة الجزاء. عدالة مطلقة لا يميل بها الهوى، ولا يقعد بها القصور، ولا ينقص منها الجهل بحقائق الأمور.

وأن إلى ربك المنتهى ..

فلا طريق إلا الطريق الذي ينتهي إليه. ولا ملجأ من دونه. ولا مأوى إلا داره: في نعيم أو جحيم.. ولهذه الحقيقة قيمتها وأثرها في تكييف مشاعر الإنسان وتصوره فحين يحس أن المنتهى إلى الله منتهى كل شيء وكل أمر. وكل أحد. فإنه يستشعر من أول الطريق نهايته التي لا مفر منها ولا محيص عنها. ويصوغ نفسه وعمله وفق هذه الحقيقة; أو يحاول في هذا ما يستطيع. ويظل قلبه ونظره معلقين بتلك النهاية منذ أول الطريق!

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث