الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الكلام على البسملة والترجيح بين الخلافات فيها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 76 ] [ ص: 77 ] ( بسم الله الرحمن الرحيم )

التالي السابق


ش اختلف العلماء في البسملة ؛ هل هي آية من كل سورة افتتحت بها ؟ أو هي آية مستقلة أنزلت للفصل بها بين السور وللتبرك بالابتداء بها ؟ والمختار : القول الثاني .

واتفقوا على أنها جزء آية من سورة النمل ، وعلى تركها في أول سورة ( براءة ) ؛ لأنها جعلت هي والأنفال كسورة واحدة .

والباء في ( بسم ) للاستعانة ، وهي متعلقة بمحذوف ، قدره بعضهم فعلا ، وقدره بعضهم اسما ، والقولان متقاربان ، وبكل ورد في القرآن ، قال تعالى : اقرأ باسم ربك ، وقال : بسم الله مجراها ومرساها .

[ ص: 78 ] ويحسن جعل المقدر متأخرا ( لأن الاسم أحق بالتقديم ، ولأن تقديم الجار والمجرور يفيد اختصاص الاسم الكريم بكونه متبركا به ، والاسم هو اللفظ الموضوع لمعنى تعيينا له أو تمييزا ) .

واختلف في أصل اشتقاقه ، فقيل : إنه من السمة ؛ بمعنى : العلامة ، وقيل : من السمو ، وهو المختار .

وهمزته همزة وصل .

وليس الاسم نفس المسمى كما زعم بعضهم ، فإن الاسم هو اللفظ الدال ، والمسمى هو المعنى المدلول عليه بذلك الاسم ، وليس هو كذلك نفس التسمية ؛ فإنها فعل المسمي ؛ يقال : سميت ولدي محمدا ، مثلا .

وقول بعضهم : إن لفظ الاسم هنا مقحم ؛ لأن الاستعانة إنما تكون بالله عز وجل لا باسمه ، ليس بشيء ؛ لأن المراد ذكر الاسم الكريم باللسان ؛ كما في قوله : سبح اسم ربك الأعلى .

أي : سبحه ناطقا باسم ربك ، متكلما به ، فالمراد التبرك بالابتداء بذكر اسمه تعالى ، واسم الجلالة ؛ قيل : إنه اسم جامد غير مشتق ؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها ، واسمه تعالى قديم ، والقديم لا مادة له ، فهو كسائر الأعلام المحضة ، التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها .

[ ص: 79 ] والصحيح أنه مشتق .

واختلف في مبدأ اشتقاقه ، فقيل : من أله يأله ألوهة وإلاهة وألوهية ؛ بمعنى : عبد عبادة .

وقيل : من أله - بكسر اللام - يأله - بفتحها - ألها ؛ إذا تحير .

والصحيح الأول ، فهو إله ؛ بمعنى مألوه ؛ أي : معبود ، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( الله ذو الإلهية والعبودية على خلقه أجمعين ) .

وعلى القول بالاشتقاق يكون وصفا في الأصل ، ولكن غلبت عليه العلمية ، فتجري عليه بقية الأسماء أخبارا وأوصافا ، يقال : الله رحمن رحيم سميع عليم ، كما يقال : الله الرحمن الرحيم . . إلخ .

و ( الرحمن الرحيم ) : اسمان كريمان من أسمائه الحسنى ، دالان على اتصافه تعالى بصفة الرحمة ، وهي صفة حقيقية له سبحانه ، على ما يليق بجلاله ، ولا يجوز القول بأن المراد بها لازمها ، كإرادة الإحسان ونحوه ، كما يزعم المعطلة ، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله .

واختلف في الجمع بينهما : فقيل : المراد بـ ( الرحمن ) الذي وسعت رحمته كل شيء في الدنيا ؛ لأن صيغة ( فعلان ) تدل على الامتلاء والكثرة ، و ( الرحيم ) الذي يختص برحمته المؤمنين في الآخرة .

[ ص: 80 ] وقيل العكس .

وقد ذهب العلامة ابن القيم رحمه الله إلى أن ( الرحمن ) دال على الصفة القائمة بالذات ، و ( الرحيم ) دال على تعلقها بالمرحوم ، ولهذا لم يجئ الاسم الرحمن متعديا في القرآن ، قال تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما .

ولم يقل : رحمانا .

وهذا أحسن ما قيل في الفرق بينهما .

وروي عن ابن عباس أنه قال : ( هما اسمان رقيقان ، أحدهما أرق من الآخر ) .

[ ص: 81 ] ومنع بعضهم كون ( الرحمن ) في البسملة نعتا لاسم الجلالة ؛ لأنه علم آخر لا يطلق على غيره ، والأعلام لا ينعت بها .

والصحيح أنه نعت له باعتبار ما فيه من معنى الوصفية ، فـ ( الرحمن ) اسمه تعالى ووصفه ، ولا تنافي اسميته وصفيته ، فمن حيث هو صفة جرى تابعا على اسم الله ، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع ، بل ورود الاسم العلم كقوله تعالى : الرحمن على العرش استوى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث