الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ينبغي للمحدث اجتناب الخطأ واللحن حتى لا يقع في الكذب على رسول الله

التاسع‏ : إذا وقع في روايته لحن ، أو تحريف ، فقد اختلفوا‏ ، فمنهم من كان يرى أنه يرويه على الخطأ كما سمعه‏ ، وذهب إلى ذلك من التابعين ‏محمد بن سيرين ، و‏‏أبو معمر عبد الله بن سخبرة‏ . ‏ وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ ، والمنع من الرواية بالمعني‏ . ‏

ومنهم من رأى تغييره ، وإصلاحه ، وروايته على الصواب‏ ، روينا ذلك عن ‏الأوزاعي ، و‏‏ابن المبارك ، وغيرهما ، وهو مذهب المحصلين والعلماء من المحدثين‏ . ‏ والقول به في اللحن الذي لا يختلف به المعنى [ ص: 219 ] وأمثاله لازم على مذهب تجويز رواية الحديث بالمعنى ، وقد سبق أنه قول الأكثرين‏ . ‏

وأما إصلاح ذلك وتغييره في كتابه وأصله‏ ، فالصواب تركه ، وتقرير ما وقع في الأصل على ما هو عليه ، مع التضبيب عليه ، وبيان الصواب خارجا في الحاشية ، فإن ذلك أجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة‏ . ‏

وقد روينا أن بعض أصحاب الحديث رئي في المنام ، وكأنه قد مر من شفته ، أو لسانه شيء ، فقيل له في ذلك ، فقال‏ : " لفظة من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم غيرتها برأيي ، ففعل بي هذا‏ " . ‏

وكثيرا ما نرى ما يتوهمه كثير من أهل العلم خطأ - وربما غيروه - صوابا ذا وجه صحيح ، وإن خفي ، واستغرب لا سيما فيما يعدونه خطأ من جهة العربية‏ ، وذلك لكثرة لغات العرب وتشعبها‏ . ‏

وروينا عن ‏عبد الله بن أحمد بن حنبل‏ قال‏ : " كان إذا مر بأبي لحن فاحش غيره ، وإذا كان لحنا سهلا تركه ، وقال‏ : كذا قال الشيخ‏ " . ‏

وأخبرني بعض أشياخنا‏ : عمن أخبره عن ‏القاضي الحافظ عياض بما معناه ، واختصاره : " أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم ، ولا يغيروها في كتبهم حتى في أحرف [ ص: 220 ] من القرآن ، استمرت الرواية فيها في الكتب على خلاف التلاوة المجمع عليها ، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ . ‏ ومن ذلك ما وقع في " الصحيحين " ، و‏‏ " الموطأ " ، وغيرها ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع ، والقراءة ، وفي حواشي الكتب ، مع تقريرهم ما في الأصول على ما بلغهم‏ . ‏

ومنهم من جسر على تغيير الكتب ، وإصلاحها ، منهم ‏أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي‏ ، فإنه - لكثرة مطالعته وافتتانه ، وثقوب فهمه ، وحدة ذهنه - جسر على الإصلاح كثيرا ، وغلط في أشياء من ذلك‏ ، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه‏ . ‏

فالأولى سد باب التغيير ، والإصلاح ، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن ، وهو أسلم مع التبيين ، فيذكر ذلك عند السماع كما وقع ، ثم يذكر وجه صوابه‏ إما من جهة العربية ، وإما من جهة الرواية‏ ، وإن شاء قرأه ، أولا على الصواب ، ثم قال : " ‏وقع عند شيخنا ، أو‏ في روايتنا ، أو‏ من طريق فلان كذا وكذا‏ " ‏‏ . ‏ وهذا أولى من الأول ، كيلا يتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل‏ . ‏

وأصلح ما يعتمد عليه في الإصلاح‏ أن يكون ما يصلح به الفاسد قد ورد في أحاديث أخر ، فإن ذاكره آمن من أن يكون متقولا [ ص: 221 ] على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، والله أعلم‏‏‏‏ . ‏

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث