الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

ولما كان معنى الم هذا كتاب من جنس حروفكم التي قد فقتم في التكلم بها سائر الخلق ، فما عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله إلا لأنه كلام الله أنتج ذلك كماله ، فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال في قوله : ذلك الكتاب لعلو مقداره بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل المطرودين . ولما علم كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويستلزمه ذلك التعظيم فقال : لا ريب فيه أي في شيء من معناه ولا نظمه في [ ص: 80 ] نفس الأمر عند من تحقق بالنظر ، فالمنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له ، ولم يقدم الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره من الكتب محل الريب .

قال الحرالي : " ذا " اسم مدلوله المشار إليه ، واللام مدلوله معها بعد ما الكتاب من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفية من أصله كالخرز في الجلد بقد [1] منه ، والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله الأول ، فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام ، " لا " لنفي ما هو ممتنع مطلقا أو في وقت ، " الريب " التردد بين موقعي تهمة بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل واحد منهما . انتهى . وأصله قلق النفس واضطرابها ، ومنه [ ص: 81 ] ريب الزمان لنوائبه المقلقة ، ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال : هدى وخص المنتفعين لأن الألد لا دواء له ، والمتعنت لا يرده شيء ، فقال : للمتقين أي الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى ؛ فافهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به ، بل يرتاب ، وإن كان ليس موضعا للريب أصلا .

قال الحرالي : جمع المتقي ، وهو المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير مستغن بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته ، والمتقي كذا متوقف لأجل ذلك ، والتقوى [ ص: 82 ] أصل يتقدم الهدى وكل عبادة ، لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير ، وهي وصية الله [ لأهل الكتاب ] . انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث