الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاغتسال ودخول الحمام للمحرم

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ولم تجز المغرب في الطريق ) أي لم تحل صلاة المغرب قبل الوصول إلى مزدلفة للحديث { الصلاة أمامك } قاله حين قال قيل له الصلاة يا رسول الله وهو في طريق مزدلفة أي وقتها فدل كلامه أنها لا تحل بعرفات بالطريق الأولى .

وأشار إلى أن العشاء لا تحل بالطريق الأولى وإن كان بعد دخول وقتها ; لأن صاحبة الوقت وهي المغرب إذا كانت لا تحل به فغيرها أولى ، ولما كان وقت هاتين الصلاتين وقت العشاء علم أنه لو خاف طلوع الفجر جاز أن يصليهما في الطريق ; لأنه لو لم يصلهما لصارتا قضاء ، وإذا لم يحل له أداؤهما بالطريق فإذ صلاهما أو إحداهما فقد ارتكب كراهة التحريم فكل صلاة أديت معها وجب إعادتها فيجب إعادتهما ما لم يطلع الفجر فإن طلع سقطت الإعادة ; لأن الإعادة للجمع بينهما في وقت العشاء ، وقد خرج في الفتاوى الظهيرية ثم هاهنا مسألة لا بد من معرفتها [ ص: 367 ] وهو أنه لو قدم العشاء على المغرب بمزدلفة يصلي المغرب ثم يعيد العشاء فإن لم يعد العشاء حتى انفجر الصبح عاد العشاء إلى الجواز ، وهذا كما قال أبو حنيفة فيمن ترك صلاة الظهر ثم صلى بعدها خمسا ، وهو ذاكر للمتروكة لم يجز فإن صلى السادسة عاد إلى الجواز

واعلم أن المشايخ صرحوا في كتبهم بعدم الجواز ، وهو يوهم عدم الصحة ، وليس بمراد بل المراد عدم الحل ، ولهذا صرحوا بالإعادة ولو كانت باطلة لكان أداء إن كان في الوقت وقضاء إن كان خارجه ، ولو صرحوا بعدم الحل لزال الاشتباه وحاصل دليلهم المقتضي لعدم الحل أنه ظني مفيد تأخير وقت المغرب في خصوص هذه الليلة ليتوصل إلى الجمع بمزدلفة فعملنا بمقتضاه ما لم يلزم تقديم الدليل القاطع وهو الدليل الموجب للمحافظة على الوقت فقبل طلوع الفجر لم يلزم تقديمه على القطعي ، وبعده انتفى إمكان تدارك هذا الواجب ، وتقرر المأثم إذ لو وجبت الإعادة بعده كان حقيقته عدم الصحة فيما هو مؤقت قطعا ، وفيه التقديم الممتنع وفي فتح القدير وقد يقال بوجوب الإعادة مطلقا لأنه أداها قبل وقتها الثابت بالحديث فتعليله بأنه للجمع فإذا فات سقطت الإعادة تخصيص للنص بالمعنى المستنبط منه ، ومرجعه إلى تقديم المعنى على النص [ ص: 368 ] وكلمتهم على أن العبرة في المنصوص عليه لعين النص لا لمعنى النص لا يقال لو أجريناه على إطلاقه أدى إلى تقديم الظني على القطعي ; لأنا نقول ذلك لو قلنا بافتراض ذلك لكنا نحكم بالإجزاء ونوجب إعادة ما وقع مجزئا شرعا مطلقا ولا بدع في ذلك فهو في نظير وجوب إعادة صلاة أديت مع كراهة التحريم حيث نحكم بإجزائها ، ويجب إعادتها مطلقا ا هـ . وفي المحيط لو صلاهما بعدما جاوز المزدلفة جاز ا هـ .

التالي السابق


( قول المصنف ولم تجز المغرب في الطريق ) قال العلامة الشهاوي في منسكه وهذا الحكم الذي ذكرناه في حق صلاة المغرب في الطريق إنما هو فيما إذا ذهب إلى المزدلفة من طريقها أما إذا ذهب إلى مكة من غير طريق المزدلفة جاز له أن يصلي المغرب في الطريق بلا توقف ، ولم أجد أحدا صرح بذلك سوى صاحب النهاية والعناية في باب قضاء الفوائت ، وكلام شارح الكنز يدل عليه وهي فائدة جليلة ا هـ .

وكذا صرح بها في البناية في الباب المذكور أيضا ا هـ .

كذا وجدته بخط العلامة الشيخ إبراهيم أبي سلمة على هامش نسخته من الكنز ، وقد نقل عبارة العناية الشيخ عبد الرحمن المرشدي في شرحه ، وأقرها كذا في حاشية المدني على الدر .

( قوله ثم هاهنا مسألة إلخ ) قال الرملي فيه إشكال وهو أن [ ص: 367 ] فيه تفويت الترتيب وهو فرض يفوت الجواز بفوته كترتيب الوتر على العشاء فإن حمل على ظاهره فهو مشكل إلا أن يحمل على ساقط الترتيب أو على عودها إلى الجواز إذا صلى خمسا بعدها ، وذلك أن المغرب والعشاء وقتهما وقت العشاء فهما صلاتان اجتمعتا في وقت واحد ، وقد تقدم في الوتر والعشاء أنه يجب الترتيب بينهما قالوا هناك ولا يقدم الوتر على العشاء للترتيب لا لأن وقت الوتر لم يدخل حتى لو نسي العشاء وصلى الوتر جاز لسقوط الترتيب وهذا عند أبي حنيفة ; لأنه فرض عنده فصار كفرضين اجتمعا في وقت واحد كالقضاءين أو القضاء والأداء فينبغي أن يكون في تقديم صلاة العشاء على المغرب هنا كذلك إذ لا موجب لسقوط الترتيب وبانفجار الصبح لم تدخل الفوائت في حد الكثرة . ا هـ .

. قلت : وهذا خلاف الظاهر بل المتبادر سقوط الترتيب هنا أيضا ولذا قال في حواشي مسكين تزاد هذه على ما يسقط به الترتيب ( قوله وهو يوهم عدم الصحة ) قال في النهر أنى يتوهم عدم الصحة للصلاة بعد دخول وقتها ا هـ .

وتأمله مع ما مر عن السراج وقوله في حديث { الصلاة أمامك } أي وقتها أفلا يتوهم معه ذلك ، وقال الرملي كيف لا يتوهم والجواز مشترك بين الصحة والحل ، وإذا قلنا أنى يتوهم عدم الصحة بعد دخول الوقت قلنا أنى يتوهم عدم الحل بعد دخوله كما هو ظاهر فالتوهم هنا لا ينكر ( قوله لكان أداء ) أي لكان فعلها ثانيا أداء إن كان في الوقت إلخ .

( قوله وحاصل دليلهم إلخ ) خطر لي هنا إشكال ، وهو أن الحديث المفيد تأخير المغرب إذا كان ظنيا ، وكان الدليل الموجب للمحافظة على الوقت قطعيا لم يجز تأخير المغرب عن وقتها الثابت بالقطعي وإلا لزم تقديم الظني عليه مع أنه لا قائل بعدم جواز تأخيره بل بوجوبه ولا محيص حينئذ إلا بدعوى عدم ظنية الحديث أو عدم قطعية دلالة الآية ، وإذا كان كذلك لا يتم قوله فعملنا بمقتضاه إلخ وبه يتأيد بحث المحقق ثم رأيت في العناية قال ما نصه ، واعترض بأن هذا الحديث من الآحاد فكيف يجوز أن يبطل به قوله تعالى { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } ، وأجاب شيخ شيخي العلامة بأنه من المشاهير تلقته الأمة بالقبول في الصدر الأول وعملوا به فجاز أن يزاد به على كتاب الله تعالى وأقول : قوله تعالى { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } الآية ونحوها ليس فيه دلالة قاطعة على تعيين الأوقات ، وإنما دلالتها على أن للصلاة أوقاتا وتعيينها ثبت إما بحديث جبريل أو بغيره من الآحاد أو بفعله عليه الصلاة والسلام ، ومثل ذلك لا يفيد القطع فجاز أن يعارضه خبر الواحد ثم يعمل بفعله عليه السلام وهو أنه جمع بينهما بالمزدلفة ولا يجوز أن يكون قضاء فتعين أن يكون ذلك وقته . ا هـ .

والأحسن الأول ; لأن عدم قطعية تعيين الأوقات بعيد لثبوته بالنقل المتواتر عنه عليه الصلاة والسلام بل بنظم القرآن إذا فسر دلوك الشمس بغروبها كما في السعدية ثم قال في العناية : وشكك عن أبي يوسف أي أورد إشكالا من جانبه على صاحبيه بأن صلاة المغرب التي صلاها في الطريق أما إن وقعت صحيحة أو لا فإن كان الأول فلا تجب الإعادة لا في الوقت ولا بعده ، وإن كان الثاني وجبت فيه وبعده ; لأن ما وقع فاسدا لا ينقلب صحيحا بمضي الوقت ، وأجيب بأن الفساد موقوف يظهر أثره في ثاني الحال كما مر في مسألة الترتيب ا هـ .

هذا ويؤخذ من هذا الجواب أن مرادهم من عدم الجواز عدم الصحة ; لأنه لا فرق بين الفساد والبطلان في العبادات ، وهو ظاهر ما في الهداية حيث قال ومن صلى المغرب في الطريق لم يجزه عند أبي حنيفة ومحمد رحمه الله وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر

وقال أبو يوسف يجزئه وقد أساء . ا هـ . ; لأن قوله لم يجزه من الإجزاء لا من الجواز والذي يطلق على الحل الثاني لا الأول ، وقول المؤلف ولو كانت باطلة إلخ جوابه ما علمت من أن البطلان غير بات بل هو موقوف ، ويدل عليه ما نقله عن الظهيرية وتنظيره بمن ترك الظهر إلخ فإن البطلان في المقيس عليه غير بات نعم ظاهر ما في النهاية يوافق ما ذكره المؤلف حيث نظر وجوب الإعادة هنا بما إذا صلى [ ص: 368 ] الظهر في منزله يوم الجمعة ( قوله وفي المحيط لو صلاهما بعدما جاوز المزدلفة جاز ) . نقله في شرح اللباب عن المنتقى ثم قال وهو خلاف ما عليه الجمهور وقال أيضا وإذا ثبت وجوب هذا الجمع بمزدلفة في وقت العشاء فلو صلى المغرب في وقتها أو العشاء والمغرب في وقت العشاء قبل أن يأتي مزدلفة أو بعدما جاوزها لم يجزه وعليه إعادتهما ما لم يطلع الفجر في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن

وقال أبو يوسف يجزئه ولا يعيد وقد أساء لترك السنة ، ولو لم يعد حتى طلع الفجر عادت إلى الجواز وسقط القضاء اتفاقا إلا أنه يأثم لتركه الواجب وعن أبي حنيفة إذا ذهب نصف الليل سقطت الإعادة لذهاب وقت الاستحباب . ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث