الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر ملك لخيعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 393 ] ذكر ملك الحبشة اليمن

قيل : لما قتل ذو نواس من قتل من أهل اليمن في الأخدود لأجل العود عن النصرانية ، أفلت منهم رجل يقال له : دوس ذو ثعلبان حتى أعجز القوم ، فقدم على قيصر فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل بهم . فقال له قيصر : بعدت بلادك عنا ، ولكن سأكتب إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب منكم . فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره ، فأرسل معه ملك الحبشة سبعين ألفا وأمر عليهم رجلا يقال له أرياط ، وفي جنوده أبرهة الأشرم ، فساروا في البحر حتى نزلوا بساحل اليمن ، وجمع ذو نواس جنوده فاجتمعوا ، ولم يكن له حرب غير أنه ناوش شيئا من قتال ثم انهزموا ، ودخلها أرياط . فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه اقتحم البحر بفرسه فغرق ، ووطئ أرياط اليمن فقتل ثلث رجالهم ، وبعث إلى النجاشي بثلث سباياهم ، ثم أقام بها وذل أهلها .

وقيل : إن الحبشة لما خرجوا إلى المندب من أرض اليمن ، كتب ذو نواس إلى أقيال اليمن يدعوهم إلى الاجتماع على عدوهم ، فلم يجيبوه وقالوا : يقاتل كل رجل عن بلاده . فصنع مفاتيح وحملها على عدة من الإبل ولقي الحبشة وقال : هذه مفاتيح خزائن الأموال باليمن ، فهي لكم ولا تقتلوا الرجال والذرية ، فأجابوه إلى ذلك وساروا معه إلى صنعاء ، فقال لكبيرهم : وجه أصحابك لقبض الخزائن . فتفرق أصحابه ودفع إليهم المفاتيح ، وكتب إلى الأقيال يقتل كل ثور أسود ، فقتلت الحبشة ولم ينج منهم إلا الشريد .

فلما سمع النجاشي جهز إليهم سبعين ألفا مع أرياط والأشرم ، فملك البلاد وأقام بها سنين ، ونازعه أبرهة الأشرم ، وكان في جنده ، فمال إليه طائفة منهم ، وبقي أرياط في طائفة ، وسار أحدهما إلى الآخر ، وأرسل أبرهة : إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها على بعضها شيئا ، فيهلكوا ، ولكن ابرز إلي فأينا قهر صاحبه استولى على جنده .

[ ص: 394 ] فتبارزا ، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة ، فوقعت على رأسه فشرمت أنفه وعينه ، فسمي الأشرم . وحمل غلام لأبرهة يقال له عتودة ، كان قد تركه كمينا من خلف أرياط ، على أرياط فقتله ، واستولى أبرهة على الجند والبلاد وقال لعتودة : احتكم . فقال : لا تدخل عروس على زوجها من اليمن حتى أصيبها قبله ، فأجابه إلى ذلك ، فبقي يفعل بهم هذا الفعل حينا ، ثم عدا عليه إنسان من اليمن فقتله ، فسر أبرهة بقتله وقال : لو علمت أنه يحتكم هكذا لم أحكمه .

ولما بلغ النجاشي قتل أرياط غضب غضبا شديدا وحلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ويجز ناصيته ، فبلغ ذلك أبرهة ، فأرسل إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ناصيته وأرسلها أيضا ، وكتب إليه بالطاعة وإرسال شعره وترابه ليبر قسمه بوضع التراب تحت قدميه ، فرضي عنه وأقره على عمله .

فلما استقر باليمن بعث إلى أبي مرة ذي يزن ، فأخذ زوجته ريحانة بنت ذي جدن ونكحها ، فولدت له مسروقا وكانت قد ولدت لذي يزن ولدا اسمه معدي كرب ، وهو سيف ، فخرج ذو يزن من اليمن فقدم الحيرة على عمرو بن هند وسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه محله وشرفه وحاجته ، فقال : إني أفد إلى الملك كل سنة وهذا وقتها ، فأقام عنده حتى وفد معه ودخل إلى كسرى معه ، فأكرمه وعظمه وذكر حاجته وشكا ما يلقون من الحبشة ، واستنصره عليهم ، وأطمعه في اليمن وكثرة مالها ، فقال له كسرى أنوشروان : إني لأحب أن أسعفك بحاجتك ولكن المسالك إليها صعبة وسأنظر ، وأمر بإنزاله ، فأقام عنده حتى هلك .

ونشأ ابنه معدي كرب ذي يزن في حجرة أبرهة ، وهو يحسب أنه أبوه ، فسبه ابن لأبرهة وسب أباه ، فسأل أمه عن أبيه ، فصدقته ، وأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم وسار عن اليمن ، ففعل ما نذكره إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث