الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 273 ] الشرط الرابع : طهارة النجس . النجاسة قسمان ؛ واقعة في مظنة العفو ، وغيرها .

أما الواقعة في غير مظنة العفو ، فيجب الاحتراز منها في الثوب ، والبدن ، والمكان . فإن أصاب ثوبه نجاسة وعرف موضعها ، فطريق إزالتها ، الغسل كما سبق . فلو قطع موضعها ، أجزأه .

ويلزمه ذلك إذا تعذر الغسل وأمكن ستر العورة بالظاهر منه ، ولم ينقص من قيمته بالقطع أكثر من أجرة الثوب .

وإن لم يعرف موضع النجاسة من البدن أو الثوب واحتمل وجودها في كل جزء وجب غسل الجميع ولا يجزئه التحري . فلو شق الثوب نصفين ، لم يجزئ التحري فيهما .

ولو أصاب شيء رطب طرفا من هذا الثوب ، لم ينجس الرطب ؛ لأنا لا نتيقن نجاسة موضع الإصابة .

ولو غسل إحدى نصفيه في حال اتصاله ، ثم غسل النصف الآخر ، فهو كما لو تيقن نجاسة الجميع ، وغسله هكذا ، وفيه وجهان :

أحدهما : لا يطهر حتى يغسل النصفين دفعة واحدة .

وأصحهما : أنه إن غسل مع النصف الثاني القدر الذي يجاوره من الأول طهر الكل .

وإن اقتصر على النصفين فقد طهر الطرفان ، وبقي المنتصف نجسا في صورة اليقين ، ومجتنبا في الصورة الأولى .

ولو نجس أحد موضعين منحصرين ، أو مواضع ، وأشكل عليه كأحد كميه ، فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله وصلى فيه لم تصح صلاته على الأصح .

فلو فصل أحد الكمين عن الثوب صارا كالثوبين . فإن غسل ما ظنه نجسا وصلى فيه جاز ، وإن صلى فيما ظنه طاهرا جاز ، ويجري الوجهان فيما إذا نجست إحدى يديه أو أحد أصابعه ، وغسل ما ظن نجاسته وصلى ، وفيما لو اجتهد في ثوبين ، وغسل النجس ، وصلى فيهما معا .

لكن الأصح هنا الجواز بخلاف الكمين ؛ لضعف أثر الاجتهاد في الثوب الواحد ، ولو غسل أحد الكمين بالاجتهاد ، وفصله عن الثوب ، فجواز الصلاة فيما لم يغسله على الخلاف ، ولو غسل أحد الثوبين بالاجتهاد ، [ ص: 274 ] جازت الصلاة في كل واحد منهما وحده بلا خلاف .

ولو اشتبه ثوبان أو أثواب ، بعضها طاهر وبعضها نجس ، اجتهد كما سبق في الأواني . فإن لم يظهر له شيء ، وأمكنه غسل واحد ليصلي فيه ، لزمه ذلك ، وإلا فهو كمن لم يجد إلا ثوبا نجسا ، ونذكره في الشرط الخامس إن شاء الله تعالى .

قلت : ولنا وجه ، أن يصلي الصلاة تلك في كل ثوب مرة ، والصحيح المعروف : أنه يترك الثياب ، ويصلي عريانا ، وتجب الإعادة والله أعلم .

ولو ظن طهارة أحد الثوبين ، وصلى فيه ، ثم تغير اجتهاده ، عمل بمقتضى الاجتهاد الثاني على الأصح ، كالقبلة .

قلت : ولا يجب إعادة واحدة من الصلاتين - وكذا لو كثرت الثياب ، والصلوات - بالاجتهاد المختلف ، كما قلنا في القبلة .

ولو تلف أحد الثوبين المشتبهين قبل الاجتهاد ، لم يصل في الآخر على الأصح . والله أعلم .

فرع :

ما لبسه المصلي ، يجب أن يكون طاهرا ، وأن لا يلاقي شيئا نجسا ، سواء تحرك بحركته في قيامه وقعوده ، أو لم يتحرك بعض أطرافه كذنابة العمامة . فلو أصاب طرف العمامة الذي لا يتحرك أرضا نجسة ، بطلت صلاته .

ولو قبض طرف حبل أو ثوب ، أو شده في يده أو رجله أو وسطه ، وطرفه الآخر نجس أو متصل بالنجاسة ، فثلاثة أوجه :

أصحها : تبطل صلاته ، والثاني : لا تبطل ، والثالث : إن كان الطرف نجسا ، أو متصلا بعين النجاسة ، بأن كان في عنق كلب ، بطلت ، وإن كان متصلا بطاهر ، وذلك الطاهر متصلا بنجاسة ، بأن شد في ساجور ، أو خرقة ، وهما في عنق كلب أو شده في [ ص: 275 ] عنق حمار عليه حمل نجس لم تبطل .

والأوجه جارية ، سواء تحرك الطرف بحركته أم لا ، كذا قاله الجمهور .

وقطع به إمام الحرمين والغزالي ، ومن تابعهما بالبطلان إذا تحرك ، وخصوا الخلاف بما لا يتحرك .

وقطع البغوي بالبطلان في صورة الشد ، وخص الخلاف بصورة القبض باليد .

وقال أكثر الأصحاب : إن كان الكلب صغيرا أو ميتا ، وطرف الحبل مشدود به بطلت الصلاة قطعا ، وإن كان كبيرا حيا بطلت على الأصح .

وإن كان الحبل مشدودا في موضع طاهر من سفينة فيها نجاسة ، فإن كانت صغيرة تنجر بجره ، فهي كالكلب .

وإن كانت كبيرة . لم تبطل على الصحيح . كما لو شد في باب دار فيها نجاسة ، واتفقت الطوائف على أنه لو جعل رأس الحبل تحت رجله ، صحت صلاته في جميع الصور .

فرع :

من انكسر عظمه فجبره بعظم طاهر فلا بأس ، وإن جبره بعظم نجس نظر ، إن كان محتاجا إلى الجبر ولم يجد عظما طاهرا يقوم مقامه ، فهو معذور وليس عليه نزعه .

وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرا يقوم مقامه ، وجب نزعه إن لم يخف الهلاك ولا تلف عضو ، ولا شيئا من المحذورات المذكورة في باب التيمم . فإن لم يفعل ، أجبره السلطان ولم تصح صلاته معه ، ولا مبالاة بالألم الذي يجده ولا يخاف منه .

ولا فرق بين أن يكتسي اللحم أو لا يكتسيه ، ومال إمام الحرمين ، إلى أنه إذا اكتسى اللحم لم يجب النزع ، وإن كان لا يخاف الهلاك ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ووجه شاذ لنا .

وإن خاف من النزع الهلاك ، أو ما في معناه ، لم يجب النزع على الصحيح .

وإذا أوجبنا [ ص: 276 ] النزع ، فمات قبله ، لم ينزع على الصحيح المنصوص ، سواء استتر باللحم ، أم لا .

وقيل : إن استتر ، لم ينزع قطعا .

وعلى الشاذ : يجب النزع ، وقيل : يستحب .

ومداواة الجرح بالدواء النجس ، وخياطته بخيط نجس ، كالوصل بعظم نجس ، فيجب النزع حيث يجب نزع العظم ، وكذا لو شق موضعا من بدنه ، وجعل فيه دما .

وكذا لو وشم يده بالعظام ، أو غيرها ، فإنه ينجس عند الغرز ، وفي تعليق الفراء ، أنه يزال الوشم بالعلاج . فإن لم يمكن إلا بالجرح ، لا يجرح ، ولا إثم عليه بعد التوبة .

فرع :

وصل المرأة شعرها بشعر نجس ، أو بشعر آدمي ، حرام قطعا ؛ لأنه يحرم الانتفاع بشيء منه لكرامته ، بل يدفن شعره وغيره .

وسواء في هذين المزوجة وغيرها ، وأما الشعر الطاهر لغير الآدمي فإن لم تكن ذات زوج ولا سيد ، حرم الوصل به على الصحيح .

وعلى الثاني : يكره ، وإن كانت ذات زوج أو سيد ، فثلاثة أوجه : أصحها : إن وصلت بإذنه جاز ، وإلا حرم .

والثاني : يحرم مطلقا ، والثالث : لا يحرم ولا يكره مطلقا ، وأما تحمير الوجنة ، فإن كانت خلية من الزوج أو السيد أو كان أحدهما ، وفعلته بغير إذنه فهو حرام ، وإن كان بإذنه فجائز على المذهب ، وقيل : وجهان كالوصل .

وأما الخضاب بالسواد وتطريف الأصابع فألحقوه بالتحمير .

قال إمام الحرمين : ويقرب منه تجعيد الشعر ، ولا بأس بتصفيف الطرر وتسوية الأصداغ .

وأطلق الأصحاب القول باستحباب الخضاب بالحناء لها بكل حال .

وينبغي أن تكون هذه الأمور ، على تفصيل نذكره في ( فصل سنن الإحرام ) إن شاء الله تعالى ، وأما الوشم ، فحرام مطلقا .

والوشر : وهو تحديد طرف الأسنان وترقيقها ، كالوصل بشعر طاهر .

[ ص: 277 ] فرع :

يجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلي وثوبه ، وتحته وفوقه وجوانبه ، طاهرا . فلو وقف بحيث يمسه في صلاته جدار ، أو سقف نجس ، بطلت صلاته .

ولو صلى على بساط تحته نجاسة ، أو على طرف منه نجاسة ، أو على سرير قوائمه على نجاسة ، لم يضر ، سواء تحرك ذلك الموضع بحركته ، أم لا ، ولو نجس أحد البيتين ، واشتبه ، تحرى ، كالثوبين .

وإن اشتبه مكان من بيت أو بساط لم يجز التحري على الأصح .

وعلى الثاني : يجوز ، كما لو اشتبه ذلك في الصحراء .

ولو كان ما يلاقي بدنه وثيابه طاهرا ، وما يحاذي صدره أو بطنه أو شيئا من بدنه في سجوده أو غيره نجسا صحت صلاته على الأصح .

ولو بسط على النجاسة ثوبا مهلهل النسج ، وصلى عليه ، فإن حصلت مماسة النجاسة من الفرج ، بطلت صلاته ، وإن لم تحصل ، وحصلت المحاذاة ، فعلى الوجهين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث