الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 53 ] عود إلى تفسير الآيات

                          لما أظهر موسى عليه السلام آية الله تعالى في مجلس فرعون : قال الملأ من قوم فرعون أي : أشراف قومه وأركان الدولة منهم : إن هذا لساحر عليم أي : راسخ في العلم - كما تدل عليه صيغة عليم : يريد أن يخرجكم من أرضكم أي : قد وجه إرادته لسلب ملككم منكم ، وإخراجكم من أرضكم بسحره بأن يستميل به الشعب المصري ، فيتبعه فينتزع منكم الملك ، ويستبد به دونكم ، ويلي ذلك إخراج الملك وعظماء رجاله من البلاد لئلا يناوئوه لاستعادة الملك منه ، كما فعل متغلبة الترك في هذه الأيام بعد إسقاط الدولة العثمانية ، فإنهم أخرجوا جميع أفراد الأسرة السلطانية من البلاد التركية التي بقيت لهم .

                          وفي معنى القول من فرعون ورجال دولته ما حكى الله تعالى عنهم من مراجعتهم لموسى وأخيه في سورة يونس : قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ( 10 : 78 ) .

                          وما قال الملأ من قوم فرعون هذا القول إلا تبعا لقوله هو ، الذي حكاه تعالى عنه في سورة الشعراء : قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ( 26 : 34 ، 35 ) أي : رددوا قوله ، وصار يلقيه بعضهم إلى بعض ، كدأب الناس في نقل كلام ملوكهم ورؤسائهم وترديده إظهارا للموافقة عليه وتعميما لتبليغه ، وإنما لم يصرحوا بكلمة " بسحره " كما صرح هو ؛ لأنهم كانوا دونه خوفا وانزعاجا ، وأقل منه حرصا على الطعن في دعوة موسى ، ولكن ذكرها السحرة في تناجيهم مع فرعون وهو أجدر بذكرها فحكاها الله تعالى عنهم بقوله من سورة طه : فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ( 20 : 62 - 64 ) .

                          والأمر في قول فرعون لهم ، وقول بعضهم لبعض : فماذا تأمرون ليس هو المقابل للنهي ، بل هو بمعنى الإدلاء بالرأي في الشورى ، قال الزمخشري في الأساس : وتآمر القوم وائتمروا ، مثل تشاوروا واشتوروا . ومرني بمعنى أشر علي . قال بعض فتاكهم :


                          ألم تر أني لا أقول لصاحب إذا قال مرني - أنت ما شئت فافعل     ولكنني أفري له فأريحه
                          ببزلاء تنجيه من الشك فيصل

                          وقال في مادة ( ب ز ل ) ومن المجاز : بزل الأمر والرأي : استحكم ، وأمر بازل ، وتقول : خطب بازل ، لا يكفيه إلا رأي قارح ، وإنه لذو بزلاء ؛ أي : ذو صريمة محكمة ، وهو نهاض ببزلاء ؛ أي : بخطة عظيمة قال :


                          إني إذا شغلت قوما فروجهم     رحب المسالك نهاض ببزلاء

                          [ ص: 54 ] ( أقول ) : ومعنى بيتي الفاتك أن صاحبه إذا استشاره فقال له : مرني - أي أشر علي - لا يقول له : افعل ما تشاء إعراضا عن نصحه أو عجزا منه ، بل يفري ؛ أي : يقطع له الرأي المحكم بخطة بزلاء ؛ أي : قويمة محكمة ، تخرجه من الشك والتردد ، وتكون فيصلا ؛ أي : فاصلة بين الخطأ والصواب ، والبزلاء وبزول الأمر والرأي مأخوذ من بزول ناب البعير ، وهو أن ينشق ويخرج عند دخوله في السنة التاسعة فهو بازل ، ولذلك أطلقوا لقب البازل على الرجل القوي المحكم التجربة .

                          قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين أي : قال الملأ لفرعون حين استشارهم بقوله : فماذا تأمرون ؟ أرجه ؛ أي : أرجئ وأخر أمره وأمر أخيه ، ولا تفصل فيه بادي الرأي ، وأرسل في مدائن ملكك رجالا أو جماعات من الشرطة والجند حاشرين ؛ أي : جامعين سائقين للسحرة منها - فالحشر : الجمع والسوق - وإنما يوجد السحرة في المدائن الجامعة الآهلة بدور العلم والصناعة ، فإن ترسلهم : يأتوك بكل ساحر عليم بفنون السحر ماهر فيها ، وهم يكشفون لك كنه ما جاء به موسى فلا يفتتن به أحد .

                          قرأ الجمهور ( ساحر ) بصيغة اسم الفاعل ، وحمزة والكسائي هنا ، وفي يونس ( سحار ) بصيغة المبالغة له ، وجاء ذلك بالإمالة وعدمها ، وبها قرأ الجميع في الشعراء ، ورسمها في المصحف الإمام واحد هكذا ( سحر ) ليحتمل القراءتين ، ووجههما أن فرعون لما طلب كل ساحر عليم في مدائن البلاد خص بالذكر المهرة المتمرنين في السحر المكثرين منه - أو أن بعض [ ص: 55 ] ملئه طلب هؤلاء فقط ؛ لأنهم أجدر بإتيان موسى بمثل ما جاء به من الأمر العظيم ، كما حكى الله تعالى عن فرعون في سورة طه : قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله ( 20 : 57 ، 58 ) وطلب آخرون حشر جميع السحرة الراسخين في العلم لعله يوجد عند بعض المقتصدين أو المقلين من السحر ما لا يوجد عند المكثرين منه - فبينت القراءتان كل ما قيل مع الإيجاز البليغ .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية