الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 64 ] مباحث لغوية بيانية فيما اختلف فيه التعبير من قصة موسى في السورة المتعددة

ومن مباحث المقابلة والتطير بين سياق هذه السورة في القصة ، وسياق غيرها أنه زاد في سورة الشعراء اللام في حرف التسويف فقال : فلسوف تعلمون ( 26 : 49 ) ولم يذكر هذا التسويف في سورة طه ، قال الإسكافي في هذه اللام : إنها تدل على تقريب ما خوفهم به حتى كأنه حاضر موجود ، وقال : " واللام للحال ، والجمع بينها وبين سوف التي للاستقبال إنما هو تحقيق الفعل وإدناؤه من الوقوع ، كما قال تعالى : وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ( 16 : 124 ) فجمع بين اللام وبين يوم القيامة على ما قاله تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ( 16 : 77 ) وقد بينا في سورة الشعراء أكثر اقتصاصا لأحوال موسى عليه السلام في بعثه وابتداء أمره ، وانتهاء حاله مع عدوه ، فجمعت لفظ الوعيد المبهم مع اللفظ المقرب له المحقق وقوعه إلى اللفظ المفصح لمعناه ، ثم وقع الاقتصار في السورة التي لم يقصد بها من اقتصاص الحال ما ذكر في سورة الشعراء على نقص ما في موضع البسط والشرح ، وهو التعريض بالوعيد مع الإفصاح به .

( قال ) : " فأما في سورة طه فإنه اقتصر فيها على التصريح بما أوعدهم به وترك فسوف تعلمون وقال : فلأقطعن أيديكم . . . ( 20 : 71 ) إلا أنه جاء بدل هذه الكلمة ما يعادلها ، ويقارب ما جاء في سورة الشعراء التي هي مثلها في اقتصاص أحواله من ابتدائها إلى حين انتهائها ، وهو قوله بعده : ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ( 20 : 71 ) فاللام والنون في " لتعلمن " لإدناء الفعل وتوكيده ، كما أتى باللام في الشعراء : فلسوف تعلمون ( 26 : 49 ) لإدناء الفعل وتقريبه ، فقد تجاوز ما في السورتين المقصود فيهما إلى اقتصاص الحالين من إعلاء الحق وإزهاق الباطل " ا هـ .

أقول : من المعلوم أن هذه اللام لام الابتداء ، وأن فائدتها الأولى المتفق عليها توكيد مضمون الجملة ، وقد سكت الإسكافي عن التعليل بها على ظهورها ، وعدم خفاء شيء من شواهدها ، واقتصر على توجيه ما ذكروا لهذه اللام من معنى الحال ؛ إذ قالوا : إن الفائدة الثانية لها تخليص معنى المضارع للحال ، نقله ابن هشام في المغني ، وقال : إن ابن مالك اعترضه بقوله تعالى : وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ( 16: 124 ) وبقول يعقوب عليه السلام فيما حكاه الله عنه : إني ليحزنني أن تذهبوا به ( 12 : 13 ) فإن الذهاب كان مستقبلا فلو كان الحزن حالا لزم تقدم الفعل في الوجود على فاعله مع أنه أثره ( قال ) : والجواب عن الأول أن الحكم في ذلك اليوم واقع لا محالة ، فنزل منزلة الحاضر المشاهد - وأن التقدير في الثاني ؛ قصد أن تذهبوا به ، والقصد : حال ، ا هـ .

[ ص: 65 ] وأنت ترى أن تعبير الإسكافي في هذه الفائدة أوسع من التعبير الذي ذكره ابن هشام وغيره وأبعد عن الإشكال ، فقد قال هو : إن معنى الحال فيها عبارة عن تحقيق الفعل وإدنائه من الوقوع ، وهو يصدق بجعل المضارع للحال حقيقة أو بجعل معنى الاستقبال فيه قريبا جدا حتى كأنه حال ، ولا يرد على هذا ما يرد على قولهم : تخليص معنى المضارع للحال ، وجوابهم عن الآيتين يظهر في تعبيرهم كما يظهر في تعبيره هو بغير تكلف ما .

ثم إنه لا بد في صدق التعبير بقوله : ( فلسوف ) من كون فرعون ذكر في وعيدهم المستقبل أنه قريب ، وأنه قطعي لا مرد له ، سواء قاله على سبيل الإيضاح أو على سبيل الاستدارك ، ورب جملة أو جمل طويلة تؤدى في القرآن بجملة قصيرة أو كلمة أو حرف في كلمة كاللام هنا ، وهذا من دقائق إيجاز القرآن ، وهو ضرب من ضروب إعجازه اللفظية في غير الأسلوب والنظم ، وكلها دون إعجازه في بيان حقائق الشرع والعلم ، فكيف يمكن لبشر أن يؤدي هذه الدقائق بالترجمة ؟ ومثله في هذا ما سبق ، وما يأتي من تتمة هذه المباحث .

( ومنها ) - أي : مباحث المقابلة والتنظير بين السور - أنه قال هنا : ثم لأصلبنكم وقال في ( طه : 71 ) و ( الشعراء : 49 ) ولأصلبنكم ولا تعارض بين العاطفين فإن العطف بالواو مطلق يصدق بالتعقيب الذي تدل عليه " الفاء " بالتراخي الذي تدل عليه " ثم " وليس مقيدا بأحدهما ، وغايته أنه أفاد بـ " ثم " معنى خاصا ، وهو ما تدل عليه من التراخي في الزمن أو الرتبة ، وكلاهما جائز هنا فإنه بعد أن أفاد بقوله : ( فلسوف ) ( 26 : 49 ) وقوله : ( فلأقطعن ) ( 20 : 71 ) أن الوعيد سينفذ حالا في المجلس بقطع الأيدي والأرجل من خلاف - أفاد بقوله : ثم لأصلبنكم ( 7 : 124 ) أن التصليب نوع آخر ، ومرتبة ثانية من التنكيل بهم ، أو سيتأخر عن التقطيع في الزمن بأن يظلوا بعده مطروحين على الأرض إهانة لهم ، ثم يعلقون على جذوع النخل ، ويجوز الجمع بينهما ، وكون التصليب في جذوع النخل فائدة أخرى زادها في سورة طه ، وتخصيصها بها مناسب لنظمها ، ولعلك تدرك ذلك بالذوق كما تدرك به التفرقة بين بحور الشعر .

وأوردنا هذا البحث الفني وأمثاله من هذه القصة على اجتنابنا للاصطلاحات الفنية والعلمية في الغالب لثلاثة أسباب : ( 1 ) أن هذه المسائل مما يقع فيه الاشتباه ، ولم نر لها بيانا في التفاسير المتداولة حتى التي تمتاز بالعناية بمثلها .

( 2 ) بيان ما فيها من الدقة في تحديد المعاني ، وغرائب الإيجاز والاتفاق في مظنة الاختلاف ، وهو المعهود في كل موضوع طويل يعبر عنه بعبارات مختلفة : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( 4 : 82 ) إذ ليس في استطاعة بشر أن يحكي قصة كقصة موسى [ ص: 66 ] بعبارات مختلفة بمثل هذا التحديد للمعاني مع سلامتها كلها من التعارض والتناقض وغيرهما من أنواع الاختلاف ، وإن كتب ذلك كتابة ، وقابل بعضه ببعض منقحا له ومصححا ، فكيف إذا كان يرتجل الكلام ارتجالا في أوقات مختلفة ، كما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتلو القرآن كالمرتجل له ، وإنما كان يتلقاه فيؤديه كما تلقاه ، فيعجل به خائفا أن ينسى منه شيئا حتى لقن فيه نبأ عصمته من نسيان شيء منه ، وأنه تعالى كفل حفظه : سنقرئك فلا تنسى ( 87 : 6 ) لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ( 75 : 16 ، 17 ) ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ( 20 : 114 ) وتلك ضروب من إعجازه اللفظي ، ولضروب إعجازه المعنوي أكبر .

( 3 ) إثبات عجز البشر عن ترجمة القرآن بلغة أخرى تؤدي معانيه كلها ، وإذا كان من المتعذر أداؤها بمثلها من لغتها ، فترجمتها بلغة أخرى أولى .

وقد تصدى بعض المغرورين في هذه الأيام لترجمته باللغة التركية الفقيرة الملفقة من عدة لغات لأجل أن يستعين بهذه الترجمة الملاحدة من زعماء الترك على ما يبتغون من سل الشعب التركي من الإسلام بأن يحمله على الاستغناء بهذه الترجمة عن كتاب الله المنزل من عند الله تعالى بلسان عربي مبين ( 26 : 195 ) كما ثبت في عدة آيات .

فإن انخدع هذا الشعب المسلم بهذا ، سهل على هؤلاء الملاحدة أن يحولوا بينه وبين السنة النبوية العربية أيضا ؛ لأنها في المرتبة الثانية ، ثم أن يحولوا بينه وبين آثار الصحابة والتابعين ؛ فإنها في المرتبة الثالثة ، ثم أن يحولوا بينه وما كتبه أئمة العلماء في التفسير ، وشرح الحديث ، وما استنبط منها في أمور الدين من العقائد والآداب وأحكام العبادات والمعاملات ، وبعد هذا يتحكمون في تفسير هذه الترجمة بما شاءوا ، ويوردون الشبهات على الإسلام المشوه المأخوذ من ترجمتهم القابلة لذلك - وحينئذ يتم لهم ما يريدون من جعل الترك أمة لا دينية ، ولكن لن يتم لهم ذلك إن شاء الله تعالى ، فالشعب التركي راسخ في الإسلام ، ومتى عرف كيد هؤلاء الملاحدة المضلين فإنه ينبذهم نبذ النواة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث