الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر ملك كسرى بلاد الروم

كان بين كسرى أنوشروان وبين غطيانوس ملك الروم هدنة ، فوقع بين رجل من العرب ، كان ملكه غطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة ، وبين رجل من لخم كان ملكه كسرى على عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز يقال له المنذر بن النعمان ، فتنة ، فأغار خالد على ابن النعمان ، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة ، وغنم أمواله ; فكتب كسرى إلى غطيانوس يذكره ما بينهما من العهد والصلح ويعلمه ما لقي المنذر من خالد ، وسأله أن يأمر خالدا برد ما غنم إلى المنذر ، ويدفع له دية من قتل من أصحابه ، وينصفه من خالد ، وإنه إن لم يفعل ينقض الصلح . ووالى الكتب إلى غطيانوس في إنصاف المنذر ، فلم يحفل به .

[ ص: 399 ] فاستعد كسرى وغزا بلاد غطيانوس في بضعة وسبعين ألفا ، وكان طريقه على الجزيرة ، فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء ، وعبر إلى الشام فملك منبج وحلب وأنطاكية ، وكانت أفضل مدائن الشام وفامية وحمص ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة ، واحتوى كل ما فيها من الأموال والعروض ، وسبى أهل مدينة أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد ، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جانب مدينة طيسفون على بناء مدينة أنطاكية وأسكنهم إياها ، وهي التي تسمى الرومية ، وكور لها خمسة طساسيج : طسوج النهروان الأعلى ، وطسوج النهروان الأوسط ، وطسوج النهروان الأسفل ، وطسوج بادرايا ، وطسوج باكسايا ، وأجرى على السبي الذين نقلهم إليها من أنطاكية الأرزاق ، وولى القيام بأمرهم رجلا من نصارى الأهواز ليستأنسوا به لموافقته على الدين .

وأما سائر مدن الشام ومضر فإن غطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه ، وضمن له فدية يحملها إليه كل سنة على أن لا يغزو بلاده ، فكانوا يحملونها كل عام .

وسار أنوشروان من الروم إلى الخزر فقتل منهم وغنم وأخذ منهم بثأر رعيته ، ثم قصد اليمن فقتل فيها وغنم ، وعاد إلى المدائن وقد ملك ما دون هقلة وما بينه وبين البحرين وعمان . وملك النعمان بن المنذر على الحيرة وأكرمه ، وسار نحو الهياطلة ليأخذ بثأر جده فيروز ، وكان أنوشروان قد صاهر خاقان قبل ذلك ، ودخل كسرى بلادهم فقتل ملكهم ، واستأصل أهل بيته ، وتجاوز بلخ وما وراء النهر وأنزل جنوده فرغانة ، ثم عاد إلى المدائن ، وغزا البرجان ثم رجع وأرسل جنده إلى اليمن ، فقتلوا الحبشة وملكوا البلاد .

وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة ، وقيل : سبعا وأربعين سنة .

وكان مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر ملكه .

[ ص: 400 ] وقيل : ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربع وعشرين سنة مضت من ملك أنوشروان ، وولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة اثنتين وأربعين من ملكه .

قال هشام بن الكلبي : ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان سبع سنين ، ثم ملك بعده النعمان بن الأسود أربع سنين ، ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي اللخمي ثلاث سنين ، ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء ولقب ذا القرنين لضفيرتين كانتا له ، وأمه ماء السماء ، وهي ماوية ابنة عمرو بن جشم بن النمر بن قاسط ، تسعا وأربعين سنة ، ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر ست عشرة سنة .

قال : ولثماني سنين وثمانية أشهر من ولايته ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أيام أنوشروان عام الفيل .

فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند ، وهي أرض الجوهر ، قائدا من قواده من جند كثيف ، فقاتل ملكها ، فقتله واستولى عليها ، وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجواهر كثيرة .

ولم يكن ببلاد فارس بنات آوى ، فجاءت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان ، فشق عليه ذلك وأحضر موبذان موبذ وقال له : قد بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا وقد تعاظمنا ذلك ، فأخبرنا برأيك فيها . فقال : سمعت فقهاءنا يقولون : متى لم يغلب العدل الجور في البلاد بل جار أهلها ، غزاهم أعداؤهم وأتاهم ما يكرهون . فلم يلبث كسرى أن أتاه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده ، فأمر وزراءه وعماله أن [ ص: 401 ] لا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ، ولا يعملوا في شيء منها إلا به ، ففعلوا ما أمرهم ، فصرف الله ذلك العدو عنهم من غير حرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث