الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تتمة السياق في الرؤية والكلام

جزء التالي صفحة
السابق

( تتمة السياق في الرؤية والكلام )

أخبرنا الله - تعالى - في الآيات السابقة بأنه منع موسى رؤيته - يعني في الدنيا - وبشره بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالته وبكلامه ، ثم أخبرنا فيها بما آتاه يومئذ بالإجمال فقال : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء أي : أننا أعطيناه ألواحا كتبنا له فيها من كل نوع من أنواع الهداية موعظة من شأنها أن تؤثر في القلوب ترغيبا ، وترهيبا وتفصيلا لكل نوع من أصول التشريع ، وهي أصول العقائد والآداب ، وأحكام الحلال والحرام وتفصيلها ، ذكرها معدودة مفصولا بعضها من بعض ، وإسناد الكتابة إليه تعالى إما على [ ص: 164 ] معنى أن ذلك كان بقدرته تعالى وصنعه لا كسب لأحد فيه ، وإما على معنى أنها كتبت بأمره ووحيه ، سواء كان الكاتب لها موسى أو الملك ( - عليهما السلام - ) قال بعض المفسرين : إن الألواح كانت مشتملة على التوراة ، وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة ، والراجح أنها كانت أول ما أوتيه من وحي التشريع فكانت أصل التوراة الإجمالي ، وكانت سائر الأحكام التفصيلية من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل عليه ، ويخاطبه الرب تعالى بها في أوقات الحاجة إليها كالقرآن ، واختلفوا في عدد الألواح فقيل كانت عشرة ، وقيل : سبعة ، وقيل : اثنين ، قال الزجاج : يجوز أن يقال في اللغة للوحين ألواح ، وهذا كل ما يصح أن يذكر من خلافهم فيها ، وأما تلك الروايات الكثيرة في جوهرها مقدارها وطولها وعرضها وكتابتها وما كتب فيها ؛ كلها من الإسرائيليات الباطلة ، التي بثها في المسلمين أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه فاغتر بها بعض الصحابة والتابعين إن صحت الروايات عنهم ، وقد لخص السيوطي منها في الدر المنثور ثلاث ورقات - أي : ست صفحات - واسعات من القطع الكبير ، وليس منها شيء يصح أن يسمى درة ، وإن كان منها أن الألواح من الياقوت أو من الزمرد أو من الزبرجد ، كما أن منها أنها من الحجر ومن الخشب ، وقد تبع في هذا عمدته في التفسير ابن جرير رحمهما الله - تعالى - ، ولكن ذكر بعضها الألوسي من المتأخرين تبعا لغيره كرواية الطبراني والبيهقي في الدلائل ، عن محمد بن يزيد الثقفي ، قال : اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ثم قال : ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله ، فقال قيس ما يدريك ؟ فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به ، فقال كعب : ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله على موسى ، ما يكون عليه ، وما يخرج منه إلى يوم القيامة ، واستدل به الألوسي على أن قوله - تعالى - : من كل شيء على أوسع ما يحمله اللفظ من العموم ، وأنا أظن أن هذا القول موضوع على كعب ، وإن كنت أخالف الجمهور في مسألة تعديله ، وتأول الألوسي له هذا القول الظاهر بطلانه بالبداهية بقوله : ولعل ذلك من باب الرمز كما ندعيه في القرآن ا هـ .

وما ذكرت هذا إلا للتعجيب من فتنة هذه الروايات الباطلة إلى أي حد وأي زمن وصل تأثيرها السيء ، حتى إن هذا النقادة قد اغتر بمثل هذا منها ، وتأويله بما هو باطل مثله ، فإنه لم يصح عن أحد من أئمة المسلمين الذين يعتد بعلمهم بكتاب الله - تعالى - أنه ليس في العالم أو في الأرض شبر إلا وقد كتب فيه ( أي : القرآن ) ما يقع فيه وما يخرج منه ، وإنما قال مثل هذا بعض المجازفين والخياليين من الصوفية على أنه من الكشف الذي يدعونه ، راجع تفسير ما فرطنا في الكتاب من شيء ( 9 : 38 ) في 329 وما بعدها ج 7 ط الهيئة .

هذا ، وأما ما ورد في التوراة الحاضرة في شأن الألواح فمنه ما جاء في سفر الخروج من [ ص: 165 ] ( 23 : 12 وقال الرب لموسى اصعد إلى الجبل ، وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعلمهم الكلمات العشر ) وجاء في وصف اللوحين منه ( 32 : 15 ثم انثنى موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده : لوحان مكتوبان على جانبيهما ، من هنا ومن هناك كانا مكتوبين واللوحان هما صنعة الله ، والكتابة هي كتابة الله منقوشة على اللوحين ) وفيه أن موسى رمى باللوحين من يديه عندما رأى العجل الذي عبده قومه في أيام مناجاته لله تعالى ، وفي أول الفصل ( 34 : 1 ثم قال الرب لموسى أنحت لك لوحي حجر كالأولين فاكتب عليها الكلام الذي كان على الحجرين الأولين اللذين كسرتهما - فنحت لوحي حجر كالأولين ، وبكر موسى في الغداة ، وصعد إلى جبل سيناء كما أمره الرب ، وأخذ في يده لوحي الحجر ) ويليه أن الرب هبط في الغمام ، ووقف عنده هناك ومر قدامه ووعده ووصاه وأمره بأوامر ونهاه عن أمور ويلي ذلك ( وقال الرب لموسى أكتب لك هذا الكلام لأني بحسبه عقدت عهدا معك ومع بني إسرائيل ، وأقام هناك عند الرب أربعين يوما وأربعين ليلة لم يأكل خبزا ، ولم يشرب ماء فكتب على اللوحين كلام العهد الكلمات العشر ) - وهاهنا يحتمل أن يرجع ضمير - " فكتب " إلى الرب - تعالى - ، وأن يرجع إلى موسى ، ولو لم يرد ما تقدم عن ( 32 : 16 ) لكان هذا متعينا بقرينة قول الرب له قبله : أكتب لك هذا الكلام ، وله نظائر ، وأما الوصايا العشر فقد نقلنا نصها في تفسير ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ( 6 : 154 ) من سورة الأنعام عقب وصايا القرآن التي هي أجمع وأكمل منها .

ومن هذا الذي نقلناه هنا يعلم ما في تلك الإسرائيليات التي أوردها السيوطي في التفسير المأثور من المخالفة للتوراة ، إذ من المعلوم أن ما كان من التحريف اللفظي في التوراة من نقص وزيادة وغلط قد كان قبل الإسلام ، ولم يكن بعده إلا التحريف المعنوي - فما في تلك الروايات من تعيين جوهر الألواح ومساحتها وكتابتها ، وما كتب فيها من وصف أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وغيره مما يخالف هذه التوراة فهو باطل ، أراد به واضعوه أن يذكر المسلمون في تفسير القرآن وغيره من كتبهم ما يصد اليهود وغيرهم عن الإسلام ، بأن دعوته مبنية على الكذب والبهتان ، ولم يدر أولئك الذين كانوا يكتبون كل ما يسمعون شيئا من هذا الكيد والمكر اليهودي ، ونحمد الله أنه لم يرج منه على جهابذة نقد الحديث إلا القليل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث