الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( تخطئة من اتهم الكليم - عليه السلام - بالجرأة على ربه في هذا المقام )

                          كنت في أول العهد بطلبي للعلم في طرابلس الشام أسمع بعض العلماء والأدباء ينقلون عن بعض الصوفية أن موسى - عليه السلام - لم يقل لربه - عز وجل - : إن هي إلا فتنتك إلا وقد كان في مقام الأنس والإدلال الذي يطلق اللسان بمثل هذا المقال ، وأن هذا خير جواب عما قيل من أن هذا القول جرأة عظيمة تاب منها - عليه السلام - . وقال الآلوسي في تفسير الآية : والقول بأن إقدامه - عليه السلام - على أن يقول : إن هي إلا فتنتك جرأة عظيمة ، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها مما يأباه السوق ، عند أرباب الذوق ، ولا أظن أن الله - تعالى - عد ذلك ذنبا منه ، ليستغفره عنه ، وفي ندائه السابق ما يؤيد ذلك ا هـ .

                          وأقول : لا مجال للقول بالجرأة ولا بالإدلال ، وما كان هذا بالذي يخطر للعربي القح ببال ، ولا للعالم الدقيق بمعاني المفردات وأساليب المقال ، وسببه كلمة " الفتنة " فقد اشتهر من عهد بعيد فيما أظن أن معناها إغراء الشر بين الناس ، وأراهم يتناقلون استعمال قوله - تعالى - : والفتنة أشد من القتل ( 2 : 191 ) بهذا المعنى ، وله أصل في استعمال العرب ؛ فإنها تطلق على الحرب ، ويوصف الشيطان بالفتان ، ولكن هذا وذاك من المعاني الفرعية لهذه المادة ، وإنما معناها الأصلي الذي تفرعا هما وأمثالهما وأضدادهما منه - الامتحان والاختبار ولا سيما الشاق ، الذي يظهر به جيد الشيء أو الشخص من رديئه ، كعرض الذهب على النار : لتصفية الغش من النضار ، ومثله الفضة ، بل كل ما أدخل النار يسمى مفتونا ، كما يقال ، دينار أو درهم مفتون ، ويسمى حجر الصائغ الفتانة ، وقد ورد تسمية الملكين اللذين يمتحنان الناس عقب الموت بفتاني القبر ، وفسروا فتنة الممات وفتنة القبر بسؤال الملكين ، وقال - تعالى - : إنما أموالكم وأولادكم فتنة [ ص: 191 ] ( 8 : 28 ) أي : اختبار لكم يتبين بهما قدر وقوفكم عند الحق ، والتزامكم الكسب الحلال ، وقال - تعالى - : ونبلوكم بالشر والخير فتنة ( 21 : 35 ) .

                          وجملة القول : أن الفتن والفتون مصدري فتن معناهما الابتلاء للاختبار وظهور حقيقة حال المفتونين أو لتصفيتهم وتمحيصهم ، ومن الأول : قوله - تعالى - لموسى في هذه الواقعة التي نحن بصدد تفسيرها على قول بعضهم : إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ( 20 : 85 ) فقوله - عليه السلام - لربه : إن هي إلا فتنتك مأخوذ من قول ربه له : فإنا قد فتنا قومك فلا جرأة فيها ولا إدلال ، دع ما يرد هذه الدعوى من منافاتها لموقف التوبة والاستغفار - ومن الثاني : قوله - تعالى - له في قصته من سورة طه : وفتناك فتونا ( 20 : 40 ) أي : اصطفيناك من الشوائب حتى صرت أهلا لاصطناعنا ورسالتنا ، وتقدم تحقيق هذا اللفظ من قبل واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة أي : وأثبت وأوجب لنا برحمتك وفضلك حياة حسنة في هذه الدنيا من العافية وبسط الرزق ، وعز الاستقلال والملك ، والتوفيق للطاعة ، ومثوبة حسنة في الآخرة بدخول جنتك ونيل رضوانك ، فهو كقوله - تعالى - فيما علمنا من دعائه : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ( 2 : 201 ) فإن ثمرة دين الله على ألسنة جميع رسله سعادة الدارين : الدنيا والآخرة إنا هدنا إليك في لسان العرب : هاد يهود هودا ( أي : من باب قال ) وتهود تاب ورجع إلى الحق فهو هائد ، وقوم هود - مثل حائك وحوك وبازل وبزل - قال أعرابي :


                          إني أمرؤ من مدحه هائد

                          وفي التنزيل إنا هدنا إليك أي : تبنا إليك ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم . قال ابن سيده : عداه بـ " إلى " ؛ لأن فيه معنى رجعنا . ابن الأعرابي : هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير ، وداه إذ عقل ، ويهود اسم القبيلة قال :

                          أولئك أولي من يهود بمدحه     إذا أنت يوما قلتها لم تؤنب

                          وقيل : إنما هذه القبيلة يهوذ فعربت بقلب الذال دالا انتهى ملخصا . والمعنى : إنا تبنا إليك مما فرط من سفهائنا من طلب الآلهة وعبادة العجل ، وتقصير خيارنا في الإنكار عليهم أو من طلب رؤيتك أو من تمرد المغرورين على شريعتك ، وكفر نعمتك - تبنا ورجعنا إليك في جملتنا مستغفرين مسترحمين كما فعل أبونا آدم إذ تاب إليك من معصيته فتبت عليه وهديته واجتبيته ، فكانت تلك سنتك في ولده - يدل على هذا المعنى فضل قوله : إنا هدنا إليك فإنه في مقام التعليل والاستدلال على استحقاق التائب المنيب بالقول والفعل والاعتقاد للمغفرة ، وقد كان مما حكاه الله - تعالى - من وحيه إلى موسى في سورة طه وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ( 20 : 82 ) وبماذا أجابه الله - تعالى - ؟ [ ص: 192 ] قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء أي : قد كان من سبق رحمتي غضبي أن أجعل عذابي خاصا أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة المجرمين ، وأما رحمتي فقد وسعت كل شيء من العالمين ، فهي من صفاتي القديمة الأزلية التي قام بها أمر العالم منذ خلقته ، والعذاب ليس من صفاتي بل من أفعالي المترتبة على صفة العدل ؛ ولهذا عبر عن التعذيب بالفعل المضارع ، وعن تعلق الرحمة بالفعل الماضي ، وهذه الرحمة هي العامة المبذولة لكل مخلوق ، ولولاها لهلك كل كافر وعاص عقب كفره وفجوره ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ( 35 : 45 ) وهنالك رحمة خاصة يوجبها ويكتبها تعالى لبعض المؤمنين المحسنين ، ويبذل ما شاء منها لمن شاء بغير كتابة منه ، وما كتابته إلا فضل منه ورحمة ، وأما العذاب فلم يرد في الكتاب ، ولا في خبر المعصوم أن الله - تعالى - كتبه على نفسه ، ولكن أثبته ، وتوعد به فكان لا بد من وقوعه ؛ ولأنه من متعلقات صفتي العدل والحكمة ، وقد أفرط في النظر إلى عموم الرحمة ، وغفلوا عن النظر في مقتضى العدل والحكمة ، والوعيد على الكفر والمعصية ، فذهب بعضهم إلى عدم تعذيب أحد من المؤمنين ، وآخرون إلى عدم تعذيب أحد من العالمين ، ومن هؤلاء بعض غلاة التصوف ؛ الذين زعموا أن العذاب صوري لا حقيقي ، وأنه مشتق من العذوبة ، وإن في جهنم من هم أحب إلى الله - تعالى - من كثير من أهل الجنة - جعلهم الله منهم - . وأفرط آخرون في النظر إلى مقتضى الحكمة فأوجبوا عليه تعالى تعذيب العصاة بارتكاب الكبائر لا الكفار فقط ، ولولا أن صار هذا وذاك مذهبا لسهل جمع كلمة الفريقين على الأخذ بظواهر نصوص القرآن ، في كل صفة من صفات الرحمن ، ولما قال مثل الزمخشري من جهابذة البيان ، في تفسير قوله - تعالى - عذابي أصيب به من أشاء أي : من وجب علي في الحكمة تعذيبه ، ولم يكن في العفو عنه مساغ ؛ لأنه مفسدة انتهى . فقد فسر من يشاء تعالى تعذيبه بمن وجب عليه تعذيبه ، وجماعته يقولون إن هذا وجوب عقلي لا يدخل الإمكان سواه ولا تتعلق القدرة بخلافه ، وهذا المعنى ينافي المشيئة منافاة قطعية فكيف تفسر به ؟ ! ‍ يا ليت الزمخشري لم ينتحل مذهبا ، ولم ينظر في خلاف المذاهب ، وإذا لكان كشافه حجة على أصحابها ومرجعا لهم في تحرير معاني نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف ؛ إذ كان من أدق علماء هذه اللغة فهما وأحسنهم بيانا ولما فهم ، ومسألة الوجوب على الله - تعالى - نظرية فكرية لا لغوية ، والجمع بين الحكمة والرحمة لا يقتضي أن يجب على الله - تعالى - شيء لذاته ، وليس في النصوص ما يدل على هذا الوجوب إلا أن يوجبه تعالى بمشيئته ، بمعنى كتابته وجعله أمرا مقضيا ، وليس في إيجابه على نفسه بمشيئته ما في إيجاب عقول خلقه عليه من معنى استعلاء غيره عليه تعالى - أو من إيهام كونه - عز وجل - محكوما [ ص: 193 ] بما ينافي سلطانه الاختياري الذي هو فوق كل سلطان ، بل لا سلطان سواه ، وإنما سلطان غيره به ومنه ، فلو لم يكن في اختلاف التعبير إلا مراعاة الأدب لكفى .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية