الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها

جزء التالي صفحة
السابق

قل إنما علمها عند ربي قل أيها النذير : إن علم الساعة عند ربي وحده ، ليس عندي ولا عند غيري من الخلق شيء منه - وهذا يدل عليه لفظ " إنما " من الحصر ، كما قال تعالى في الآية التي فسر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاتح الغيب : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ( 31 : 34 ) أي عنده لا عند أحد سواه - ومثله قوله تعالى : إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها ( 41 : 47 ) الآية . أي يرد إليه وحده لا إلى غيره . وأشبه الآيات الدالة على استئثار علم الله تعالى بالساعة بآية الأعراف آيتان : آية الأحزاب ( 33 : 63 ) وذكرناها آنفا - وآية أواخر النازعات وما بعدها : يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ( 79 : 42 - 46 ) أي إلى ربك وحده من دونك ، ودون سائر خلقه منتهى أمر الساعة الذي يسألونك عنه ، وإنما أنت منذر لأهل الإيمان الذين يخشونها ، ويستعدون لها لا تعدو وظيفته الإنذار والتعليم والإرشاد .

فهذه الآيات كآية الأعراف سؤالا وجوابا ، فالسؤال عن الساعة من حيث إرساؤها ومنتهى أمرها ، والجواب رد ذلك إلى الرب مضافا إلى ضمير رسوله ، فما أخبره به في قوله : إلى ربك منتهاها هو ما أمره أن يجيب به في قوله قل إنما علمها عند ربي وفيه إيذان بأن ما هو من شأن الرب ، لا يكون للعبد ، فهو تعالى قد رباه ليكون منذرا ومبشرا [ ص: 390 ] لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها ، والإنذار إنما يناط بالإعلام بالساعة وأهوالها ، والنار وسلاسلها وأغلالها ، ولا تتم الفائدة منه إلا بإبهام وقتها ; ليخشى أهل كل زمن إتيانها فيه ، والإعلام بوقت إتيانها وتحديد تاريخها ينافي هذه الفائدة بل فيه مفاسد أخرى ، فلو قال الرسول للناس: إن الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا ، مثلا - وألفا سنة في تاريخ العالم وآلاف السنين تعد أجلا قريبا - لرأى المكذبين يستهزئون بهذا الخبر ، ويلحون في تكذيبه ، والمرتابين يزدادون ارتيابا ، حتى إذا ما قرب الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم ينغص عليهم حياتهم ، ويوقع الشلل في أعضائهم ، والتشنج في أعصابهم ، حتى لا يستطيعون عملا ولا يسيغون طعاما ولا شرابا ، ومنهم من يخرج من ماله وما يملكه ، من حيث يكون الكافرون آمنين ، يسخرون من المؤمنين ، وقد وقع في أوربة أن أخبر بعض رجال الكنيسة الذين كان يقلدهم الجمهور بأن القيامة تقوم في سنة كذا ، فهلعت القلوب ، واختلت الأعمال ، وأهمل أمر العيال ، ووقف المصدقون ما يملكون على الكنائس والأديار ، ولم تهدأ الأنفس ، ويثب إليها رشدها إلا بعد ظهور كذب النبأ بمجيء أجله دون وقوعه ، فالحكمة البالغة إذا في إبهام أمر الساعة العامة للعالم ، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس ، أو بالأمم والأجيال ، وجعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به ، على ما سنذكر في إيضاحه ، فلذلك قال بعد حصر أمرها في علمه : .

لا يجليها لوقتها إلا هو هذا جواب عن طلب معرفة الوقت الذي يكون إرساؤها فيه ، يقال : جلا لي الأمر وانجلى ، وجلاه فلان تجلية بمعنى: كشفه وأظهره أتم الإظهار . واللام الداخلة على وقتها تسمى لام التوقيت كقولهم : وكتب هذا الكتاب لغرة المحرم أو لعشر مضين أو بقين من صفر . والمعنى : لا يكشف حجاب الخفاء عنها ، ولا يظهرها في وقتها المحدود عند الرب تعالى إلا هو ، فلا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها ، ولا الإعلام بميقاتها ، وإنما وساطة الرسل عليهم السلام في الإنذار بها .

وقفى على هذا الإيئاس من علم أمرها ، والإنباء بوقت وقوعها بقوله في تعظيم شأنها وسر إخفاء وقتها : ثقلت في السماوات والأرض أي: ثقل وقعها وعظم أمرها في السماوات والأرض على أهلها من الملائكة والإنس والجن ; لأن الله تعالى نبأهم بأهوالها ، ولم يشعرهم بميقاتها ، فهم يتوقعون أمرا عظيما لا يدرون متى يفجؤهم وقوعه .

روي عن قتادة في تفسير الجملة أنه قال : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا يعلمون . وقال السدي : خفيت في السماوات والأرض فلا يعلم قيامها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، فهذان القولان تفسير لثقلها بفقد العلم بها ، فإن المجهول ثقيل على النفس ، ولا سيما إذا كان عظيما ، وروي عن ابن معمر وابن جريج أن ثقلها يكون يوم مجيئها إذا الشمس كورت [ ص: 391 ] ( 81 : 1 ) و إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت ( 82 : 1 ، 2 ) و إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا 56 : 4 - 6 وغير ذلك مما وصفه الله تعالى من أمر قيامها . وعن ابن عباس في ثقلها : ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة ، ولكل رواية وجه صحيح ، والمتبادر من الجملة ما ذكرناه أولا ، وهو يتفق مع جملة هذه الروايات .

لا تأتيكم إلا بغتة أي: فجأة على حين غفلة ، من غير توقع ولا انتظار ، ولا إشعار ولا إنذار ، وقد تكرر هذا القول في التنزيل ، وجاء في حديث أبي هريرة من الصحيحين ، واللفظ للبخاري " ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة ، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها " والمعنى : أنها تبغت الناس وهم منهمكون في أمور معايشهم المعتادة . وأبلغ من هذا قوله تعالى في أول سورة الحج : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ( 22 : 1 ، 2 ) .

فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليوم ، وأن يحملهم الخوف على مراقبة الله تعالى في أعمالهم فيلتزموا فيها الحق ، ويتحروا الخير ، ويتقوا الشر والمعاصي ، ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدال ، والقيل والقال . وإننا نرى بعض المتأخرين قد شغلوا المسلمين عن ذلك ببحث افتجره بعض الغلاة ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبق طول عمره لا يعلم متى تقوم الساعة كما تدل عليه آيات القرآن الكثيرة بل أعلمه الله تعالى به بل زعم أنه أطلعه على كل ما في علمه ، فصار علمه كعلم ربه ، أي صار ندا وشريكا لله تعالى في صفة العلم المحيط بالغيوب التي لا نهاية لها ، ومن أصول التوحيد أنه تعالى لا شريك له في ذاته ، ولا في صفة من صفاته ، والرسول عبد الله لا يعلم من الغيب إلا ما أوحاه الله تعالى إليه لأداء وظيفة التبليغ ، وستزداد علما ببطلان هذا الغلو خاصة في تفسير الآية التالية ، ولكن الغلاة يرون من التقصير في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه أن تكون صفاته دون صفات ربه وإلهه وخالق الخلق أجمعين ، فكذبوا كلام الله تعالى ، وشبهوا به بعض عبيده إرضاء لغلوهم ، ومثل هذا الغلو لم يعرف عن أحد من سلف هذه الأمة ، ولو أراد الله [ ص: 392 ] تعالى أن يعلم رسوله - صلى الله عليه وسلم - بوقت الساعة ، بعد كل ما أنزله عليه في إخفائها واستئثاره بعلمه ، لما أكد كل هذا التأكيد في هذه السورة وغيرها كقوله عز وجل : يسألونك كأنك حفي عنها إلخ . يسألونك هذا السؤال كأنك حفي مبالغ في سؤال ربك عنها - أو يسألونك عنها كأنك حفي بهم - فعنها متعلق بـ " يسألونك " ، وجملة كأنك حفي معترضة . قال في مجاز الأساس : أحفى في السؤال : ألحف . . . وهو حفي عن الأمر : بليغ في السؤال عنه كأنك حفي عنها وقال الأعشى :


فإن تسألي عني فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا

واستحفيته عن كذا : استخبرته على وجه المبالغة . وتحفى بي فلان ، وحفي بي حفاوة ، إذا تلطف بك ، وبالغ في إكرامك اهـ . أقول : ومنه قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا وآلهما الصلاة والسلام : إنه كان بي حفيا ( 19 : 47 ) .

وفي تفسير ابن كثير عن العوفي عن ابن عباس يسألونك كأنك حفي عنها يقول : كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم ، قال ابن عباس لما سأل الناس النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم ، فأوحى الله إليه إنما علمها عنده ، استأثر به فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا رسولا . وقال قتادة : قالت قريش لمحمد - صلى الله عليه وسلم - : إن بيننا وبينك قرابة فأشر إلينا متى الساعة ؟ فقال الله عز وجل : يسألونك كأنك حفي عنها وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي ، هذا قول ، والصحيح عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح وغيره يسألونك كأنك حفي عنها قال : استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها . وكذا قال الضحاك عن ابن عباس يسألونك كأنك حفي عنها يقول : كأنك عالم بها ، لست تعلمها ، قل : إنما علمها عند الله وقال معمر عن بعضهم ، كأنك حفي عنها كأنك عالم بها ، وقد أخفى الله علمها عن خلقه . وقرأ : إن الله عنده علم الساعة ( 31 : 34 ) الآية . قال ابن كثير : وهذا القول أرجح في المعنى من الأول ، والله أعلم ، ولهذا قال :

قل إنما علمها عند الله هذا تكرار للجواب في إثر تكرار السؤال للمبالغة في التأكيد والإيئاس من العلم بوقت مجيئها ، وتخطئة من يسألون عنه ، وقد ذكر هنا اسم الجلالة للإشعار بأنه مما استأثر بعلمه لذاته ، كما أشعر ما قبله بأنه من شئون ربوبيته ، وكل منهما مما يستحيل على خلقه ولكن أكثر الناس لا يعلمون اختصاص علمها به تعالى ولا حكمة ذلك ، ولا أدب السؤال ، ولا غير ذلك مما يتعلق بهذا المقام ، وإنما يعلم ذلك القليلون ، وهم المؤمنون بما جاء من أخبارها في كتاب الله تعالى ، وبالسماع من رسوله - صلى الله عليه وسلم - كالذين حضروا تمثل جبريل عليه السلام بصفة رجل وسؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان [ ص: 393 ] والإسلام والإحسان ثم عن الساعة . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - له عند السؤال الأخير : " وما المسئول عنها بأعلم من السائل " يعني أننا سواء في هذا الأمر ، لا يعلم أحد منا متى تقوم الساعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث