الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( والمستحب أن يرفع صوته في الأذان إن كان يؤذن للجماعة لقوله صلى الله عليه وسلم { يغفر للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس } ولأنه أبلغ في جمع الجماعة ، ولا يبالغ بحيث يشق حلقه لما روي أن عمر رضي الله عنه سمع أبا محذورة قد رفع صوته فقال له : " أما خشيت أن ينشق مريطاؤك ؟ فقال : أحببت أن تسمع صوتي " فإن أسر بالأذان لم يعتد به ; لأنه لا يحصل به المقصود ، وإن كان يؤذن لصلاته وحده لم يرفع الصوت ; لأنه لا يدعو غيره فلا وجه لرفع الصوت ، والمستحب أن يكون رفع الصوت في الإقامة دون رفع الصوت في الأذان ; لأن الإقامة للحاضرين ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث { يغفر للمؤذن مدى صوته } رواه أبو داود من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا ، وفي إسناده رجل مجهول ، ورواه البيهقي من رواية أبي هريرة وابن عمر وفي رواية ابن عمر للبيهقي { ويشهد له كل رطب ويابس سمع صوته } وفي رواية أبي هريرة { كل رطب ويابس سمعه } وفي سنن ابن ماجه { ويستغفر له كل رطب ويابس } وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري قال له : { إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ، قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم } والمدى بفتح الميم مقصور يكتب بالياء وهو غاية الشيء . وقوله : يغفر للمؤذن مدى صوته معناه أن ذنوبه لو كانت أجساما غفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته ، وقيل : تمد له الرحمة بقدر مد الأذان ، وقال الخطابي : معناه أن يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت ، وأما قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي محذورة : " أما خشيت أن تنشق مريطاؤك " فروى البيهقي عنه هذا القدر دون قوله : أحببت أن تسمع صوتي ، والمريطاء بميم مضمومة ثم راء مفتوحة ثم ياء مثناه من تحت ساكنة ثم طاء مهملة وبالمد والقصر لغتان [ ص: 120 ] أشهرهما المد وهي مؤنثة ، وهي ما بين السرة والعانة قال الأصمعي : هي ممدودة ولم يذكر الجوهري وجماعة سوى المد ، وممن ذكر المد ، والقصر أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح ، قال الجوهري : هي كلمة جاءت مصغرة والمشهور أنها ما بين السرة والعانة كما سبق ، وقال ابن فارس ، ما بين الصدر إلى العانة .

( أما حكم المسألة ) فإن كان يؤذن لجماعة استحب أن يرفع صوته ما أمكنه بحيث لا يلحقه ضرر ، فإن أسر به لم يصح لما ذكره المصنف هذا هو الصحيح ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه يصح كما لو أسر بالقراءة في موضع الجهر . وفيه وجه ثالث أنه لا بأس بالإسرار ببعضه ولا يجوز الإسرار بالجميع ، وهكذا نص عليه في الأم لكن تأوله الجمهور على أنه أراد من لم يبالغ في الجهر ، ومنهم من تأوله على من أذن لنفسه لا لجماعة ومنهم من أخذ بظاهره ، وموضع الخلاف إذا سمع نفسه فحسب فإن لم يسمع نفسه فليس ذلك بأذان ولا كلام ، وإن أسمع بعض الناس دون بعض حصل الأذان قطعا ، قال صاحب الحاوي : لو أسمع واحدا من الجماعة أجزأه ; لأن الجماعة تحصل بهما ، ولو اقتصر في الإقامة على إسماع نفسه لم تصح إقامته على أصح الوجهين ، هذا كله في المؤذن والمقيم لجماعة أما من يؤذن لنفسه وحده فقطع الجمهور بأنه يكفيه أن يسمع نفسه في الأذان والإقامة . وقال إمام الحرمين : يشترط إسماع من عنده ، والمذهب الأول ، ونقله الشيخ أبو حامد في تعليقه عن أصحابنا ، وهل يستحب له رفع الصوت ؟ فيه خلاف وتفصيل سبق بيانه في ( فرع ) في أوائل الباب ، ومن يقول : لا يرفع المنفرد يحمل الأحاديث الصحيحة في فضل رفع الصوت على الأذان للجماعة والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث