الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استدعاء الأمراء إلى الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن وجد من يتطوع بالأذان لم يرزق المؤذن من بيت المال ; لأن [ مال بيت ] المال جعل للمصلحة ولا مصلحة في ذلك ، وإن لم يوجد من يتطوع رزق [ من يؤذن ] من خمس الخمس ; لأن ذلك من المصالح ، وهل يجوز أن يستأجر ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) لا يجوز ، وهو اختيار الشيخ أبي حامد ; لأنه قربة في حقه فلم يجز أن يستأجر عليه كالإمامة في الصلاة ( الثاني ) يجوز ; لأنه عمل معلوم يجوز أن يأخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال ) .

التالي السابق


( الشرح ) قوله : قربة في حقه احتراز من الحج وقوله : عمل معلوم احتراز من القضاء ، وقوله : يجوز أخذ الرزق عليه احتراز من عمل المعصية ، وقيل : احتراز من صلاته منفردا . [ ص: 134 ] قال الشافعي رحمه الله في الأم : أحب أن يكون المؤذنون متطوعين قال : وليس للإمام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوعا ممن له أمانة إلا أن يرزقهم من ماله . قال ولا أحسب أحدا ببلد كثير الأهل يعوزه أن يجد مؤذنا أمينا لازما يؤذن متطوعا ، فإن لم يجده فلا بأس أن يرزق مؤذنا ، ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء لأن لكله مالكا موصوفا ، ولا يجوز أن يرزقه من الصدقات شيئا ، ويجوز للمؤذن أخذ الرزق إذا رزق من حيث وصفت أن يرزق ولا يجوز له أخذه من غيره بأن يرزق ، هذا نصه بحرفه وتابعه الأصحاب كلهم عليه ، واتفقوا عليه . وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال { آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ، } رواه الترمذي وقال حديث حسن . قال أصحابنا : ولا يجوز أن يرزق مؤذنا وهو يجد متبرعا عدلا ، كما نص عليه ، قال القاضي حسين ; لأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم ثم الوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعا لم يجز أن يستأجر عليه من مال اليتيم فكذا الإمام فلو وجد فاسقا متبرعا ، وعدلا لا يؤذن إلا برزق فالمذهب أنه يرزق العدل وبهذا قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي وصاحبا الشامل والمعتمد ، والجمهور وهو ظاهر النص الذي ذكرناه ، وذكر صاحب التتمة وجهين أحدهما : يرزق العدل ، والثاني الفاسق أولى ، وهذا ليس بشيء ولو وجد متطوعا غير حسن الصوت وغيره رفيعه فهل له أن يرزق حسن الصوت ؟ فيه وجهان حكاه القاضي وصاحباه المتولي والبغوي وغيرهم ، قال ابن سريج يرزقه وقال القفال والشيخ أبو محمد لا والأصح أنه يرزقه إن رآه مصلحة لظهور تفاوتهما ، وتعلق المصلحة به .

قال القاضي والمتولي : هما مبنيان على القولين في الأم إذا طلبت أجرة الرضاع ووجد الأب متبرعة ، قال أصحابنا والرزق يكون من خمس خمس الفيء والغنيمة ، وكذا من أربعة أخماس الفيء إذا قلنا : إنه للمصالح ، وينبغي أن لا يختص بذلك بل يرزقه من كل مال هو لمصالح المسلمين ، [ ص: 135 ] كالأموال التي يرثها بيت المال ، والمال الضائع الذي أيسنا من صاحبه وغير ذلك . قال أصحابنا : والرزق يكون بقدر الحاجة . فإن كان في البلد مسجد واحد رزق ما تدعو الحاجة إليه من مؤذن أو جماعة كما سبق ، وإن كان فيه مساجد ولم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عددا من المؤذنين للمساجد بحيث تحصل بهم الكفاية ويتأدى الشعار ، وإن أمكن بلا مشقة فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين ، أحدهما : يجمعهم ويرزق واحدا فقط ، وأصحهما لا يجمعهم بل يرزق الجميع لئلا تتعطل المساجد ، قال القاضي حسين ولأن تكثير الجماعات وفعلها في مساجد أكثر فضيلة من أدائها في مسجد واحد ، وإذا لم يكن في بيت المال سعة بدأ بالأهم وهو رزق مؤذن الجامع ، وأذان صلاة الجمعة أهم من غيره ، قال أصحابنا : ويجوز للإمام أن يرزق من مال نفسه ولآحاد الرعية من مال نفسه وحينئذ يجوز أن يرزق كم شاء وكيف شاء ومتى شاء فيرزق ما شاء من العدد ، ومع وجود المتبرع وفوق قدر الكفاية ، وصرح به في التهذيب وغيره .



( فرع ) في جواز الاستئجار على الأذان ثلاثة أوجه ( أصحها ) : يجوز للإمام من مال بيت المال ومن مال نفسه ولآحاد الناس من أهل المحلة ومن غيرهم من مال نفسه ، ونقله القاضي أبو الطيب عن أبي علي الطبري وعامة أصحابنا ، وكذا نقله المتولي وصاحب الذخائر والعبدري عن عامة أصحابنا وصححه القاضي أبو الطيب والفوراني وإمام الحرمين وابن الصباغ والمتولي والغزالي في البسيط وإلكيا الهراسي في كتابه الزوايا في الخلاف والشاشي في المعتمد والرافعي وآخرون ، وقطع به الغزالي في الخلاصة والروياني في الحلية ، وهو مذهب مالك وداود . ( والثاني ) لا يجوز الاستئجار لأحد ، وبه قطع الشيخ أبو حامد وصاحب الحاوي والقفال وصححه المحاملي والبندنيجي والبغوي وغيرهم وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وابن المنذر ( والثالث ) يجوز للإمام دون آحاد الناس ، ودليل الجميع ظاهر بما ذكره المصنف قال أصحابنا : وإذا جوزنا للإمام الاستئجار من بيت المال فإنما يجوز [ ص: 136 ] حيث يجوز الرزق من بيت المال خلافا ووفاقا ، قال صاحب التهذيب : وإن استأجر من بيت المال لم يفتقر إلى بيان المدة ، بل يكفي أن يقول : استأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا ، ولو استأجر من مال نفسه أو استأجر آحاد الناس ففي اشتراط بيان المدة وجهان ( أصحهما ) الاشتراط ، قال : والإقامة تدخل في الاستئجار للأذان ، ولا يجوز الاستئجار للإقامة وحدها إذ لا كلفة فيها بخلاف الأذان ؟ قال الرافعي ولا تخلو هذه الصورة عن إشكال ، وكذا قال السرخسي في الأمالي : إن شرط له الإمام الجعل من بيت المال لم يشترط ذكر آخر المدة ، بل يكفيه كل شهر أو سنة بكذا كالجزية والخراج ، وإن شرط من مال نفسه فوجهان ( أحدهما ) هذا . ( والثاني ) يشترط كالإجارة على غيره من الأعمال . قال صاحب الذخائر : الفرق بين الرزق والأجرة أن الرزق أن يعطيه كفايته هو وعياله ، والأجرة ما يقع به التراضي ، وأما حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال : { آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا } رواه الترمذي وقال هو حديث حسن محمول على الندب .



( فرع ) في مسائل تتعلق بالباب ( إحداها ) قال أصحابنا رحمهم الله : يستحب أن يكون الأذان بقرب المسجد .



( الثانية ) يكره أن يخرج من المسجد بعد الأذان قبل أن يصلي إلا لعذر ، وقد سبقت هذه المسألة بدليلها في آخر باب ما يوجب الغسل ، وذكرها في هذا الباب جماعة من أصحابنا .



( الثالثة ) يستحب أن لا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بأذان بعضهم ، بل يؤذن في كل مسجد واحد ، ذكره صاحب العدة وغيره .



( الرابعة ) قال البندنيجي وصاحب البيان : يستحب أن يقف المؤذن على أواخر الكلمات في الأذان ; لأنه روي موقوفا ، قال الهروي وعوام الناس يقولون : الله أكبر بضم الراء وكان أبو العباس المبرد يفتح الراء فيقول الله أكبر الله أكبر ، الأولى مفتوحة ، والثانية ساكنة ، قال : لأن الأذان سمع موقوفا كقوله : حي على الصلاة ، حي على الفلاح فكان الأصل أن يقول : الله أكبر الله أكبر بإسكان الراء فحركت فتحة الألف من اسم الله تعالى في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها ففتحت كقوله تعالى " { الم الله لا إله إلا هو } " وقال صاحب التتمة [ ص: 137 ] يجمع كل تكبيرتين بصوت ; لأنه خفيف ، وأما باقي الكلمات فيفرد كل كلمة بصوت ، وفي الإقامة يجمع كل كلمتين بصوت .



( الخامسة ) قال البغوي لو زاد في الأذان ذكرا أو زاد في عدد كلماته لم يبطل أذانه ، وهذا الذي قاله محمول على ما إذا لم يؤد إلى اشتباهه بغير الأذان على السامعين . قال القاضي أبو الطيب وغيره : لو قال الله الأكبر بدل الله أكبر صح أذانه كما لو قاله في تكبيرة الإحرام تنعقد صلاته .



( السادسة ) قال الشافعي في الأم : وواجب على الإمام أن يتفقد أحوال المؤذنين ليؤذنوا في أول الوقت ولا ينتظرهم بالإقامة ، وأن يأمرهم فيقيموا في الوقت ، هذا نصه قال أصحابنا : وقت الأذان منوط بنظر المؤذن لا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام ، ووقت الإقامة منوط بالإمام فلا يقيم المؤذن إلا بإشارته فلو أقام بغير إذنه فقد قال إمام الحرمين : في الاعتداد به تردد للأصحاب ولم يبين الراجح والظاهر ترجيح الاعتداد .



( السابعة ) قال الشافعي في مختصر المزني وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر . قال أصحابنا : وجه ذلك أن السفر مبني على التخفيف وفعل الرخص ، ولأن أصل الأذان للإعلام بالوقت ، والمسافرون لا يتفرقون غالبا .



قال في الأم : ولو تركت المرأة الإقامة لصلاتها لم أكره لها من تركها ما أكره من تركها للرجال ، وإن كنت أحب أن تقيم .



قال في الأم : ويصلي الرجل بأذان رجل لم يؤذن له ، يعني لم يقصد الأذان لهذا الرجل ، وهذا الذي نص عليه هو ما ذكره صاحب العدة وغيره . قالوا : لو اجتاز رجل بمسجد قد أذن فيه اكتفى بذلك الأذان وإن كان المؤذن لم يقصده .



( الثامنة ) قال صاحب الحاوي : لو أذن بالفارسية إن كان يؤذن لصلاة جماعة لم يجز ، سواء كان يحسن العربية أم لا ; لأن غيره قد يحسن ، وإن كان أذانه لنفسه فإن كان يحسن العربية لم يجزئه كأذكار ، الصلاة ، وإن كان لا يحسن أجزأه وعليه أن يتعلم . هذا كلامه وهذا الذي قاله من أن مؤذن الجماعة لا يجزئه بالفارسية وإن لم يحسن العربية ، محمول على ما إذا كان في الجماعة من يحسن العربية فإن لم يكن صح وقد أشار إليه في تعليقه .



[ ص: 138 ] التاسعة ) قال الدارمي لو لقن الأذان أجزأه لحصول الإعلام .



( العاشرة ) قال الشافعي رحمه الله تعالى في آخر أبواب الأذان : إذا كانت ليلة مطيرة أو ذات ريح وظلمة يستحب أن يقول المؤذن إذا فرغ من أذانه : " ألا صلوا في رحالكم فقال : فإن قاله في أثناء الأذان بعد الحيعلة فلا بأس . هذا نصه .

وهكذا نقله البندنيجي وقطع به ، وهكذا صرح به الصيدلاني وصاحب العدة والشاشي وآخرون ذكروه بحروفه التي نقلتها ، واحتجوا له بالحديث الذي سأذكره إن شاء الله تعالى . واستبعد إمام الحرمين قوله في أثناء الأذان ، وقال تغيير الأذان من غير سبب مستبعد . ذكره في كتاب صلاة الجماعة ، وهذا الذي استبعده ليس ببعيد ، بل هو الحق والسنة ، فقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة في الصحيحين بعد الأذان وفي أثنائه ، فروى نافع { أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال ألا صلوا في الرحال ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول : ألا صلوا في الرحال } رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم أنه : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر مؤذنه به في السفر } .

وعن عبد الله بن الحارث قال : { خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة أمره أن ينادي الصلاة في الرحال ، فنظر بعضهم إلى بعض فقال : كأنكم أنكرتم هذا ؟ قد فعل هذا من هو خير مني وإنها عزمة } رواه البخاري ومسلم وفي رواية للبخاري ومسلم ، { قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير وهو يوم جمعة إذا قلت : أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة ، قل : صلوا في بيوتكم ، فكأن الناس استنكروا ، فقال : فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض } وفي رواية لمسلم { فعله من هو خير مني } يعني النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية له { أذن مؤذن ابن عباس يوم جمعة في يوم مطير فذكره } .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث