الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل في كيفية سجود السهو ومحله

أما كيفيته ، فهو سجدتان بينهما جلسة ، يسن في هيئتها الافتراش ، وبعدهما إلى أن يسلم ، يتورك . وكتب الأصحاب ساكتة عن الذكر فيهما ، وذلك يشعر بأن المحبوب فيها ، هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة ، كسائر ما سكتوا عنه من واجبات السجود ومحبوباته .

وسمعت بعض الأئمة يحكي : أنه يستحب أن يقول فيهما : سبحان من لا ينام ولا يسهو . وهذا لائق بالحال . وفي محله ثلاثة أقوال أظهرها : قبل السلام . والثاني : إن سها بزيادة ، سجد بعد السلام ، وإن سها بنقص ، سجد قبله . والثالث : أنه يتخير ، إن شاء قبله ، وإن شاء بعده .

[ ص: 316 ] والأول : هو الجديد . والآخران : قديمان . ثم هذا الخلاف في الإجزاء على المذهب . وقيل : في الأفضل . ثم إذا قلنا : قبل السلام ، فسلم قبل أن يسجد ، نظر فإن سلم عامدا ، فوجهان . الأصح : أنه فوت السجود . والثاني : إن قصر الفصل سجد ، وإلا فلا . وإذا سجد ، فلا يكون عائدا إلى الصلاة بلا خلاف ، بخلاف ما إذا سلم ناسيا وسجد ، فإن فيه خلافا ، وإن سلم ناسيا وطال الزمان ، فقولان . الجديد الأظهر : لا يسجد . والقديم : يسجد ، وإن لم يطل ، وتذكر على قرب ، فإن بدا له أن لا يسجد ، فذاك ، والصلاة ماضية على الصحة ، وحصل التحلل بالسلام على الصحيح . وفي وجه : يسلم مرة أخرى . وذلك السلام غير معتد به ، وإن أراد أن يسجد ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور : أنه يسجد . والثاني : لا يسجد . وإذا قلنا بالصحيح هنا ، أو بالقديم عند طول الفصل ، فسجد ، فهل يكون عائدا إلى حكم الصلاة ؟ وجهان . أرجحهما عند صاحب ( التهذيب ) : لا يكون عائدا . وأرجحهما عند الأكثرين : يكون عائدا . وبه قال أبو زيد ، وصححه القفال ، وإمام الحرمين ، والغزالي في ( الفتاوى ) والروياني ، وغيرهم . ويتفرع على الوجهين مسائل . منها : لو تكلم عامدا ، أو أحدث في السجود ، بطلت صلاته على الوجه الثاني ، ولا تبطل على الأول .

ومنها : لو كان السهو في صلاة جمعة ، وخرج الوقت وهو في السجود ، فاتت الجمعة على الوجه الثاني دون الأول .

ومنها : لو كان مسافرا يقصر ونوى الإتمام في السجود ، لزمه الإتمام على الوجه الثاني ، دون الأول .

ومنها : هل يكبر للافتتاح ؟ وهل يتشهد ؟ إن قلنا بالوجه الثاني : لم يكبر ، ولم يتشهد ، وإن قلنا بالأول ، كبر ، وفي التشهد ، وجهان . أصحهما : لا يتشهد . وقال في ( التهذيب ) : والصحيح أنه يسلم ، سواء قلنا بتشهد ، أم لا . وأما حد طول الفصل ، ففيه الخلاف المتقدم فيمن ترك ركنا ناسيا ثم [ ص: 317 ] تذكر بعد السلام أو شك فيه . والأصح : الرجوع إلى العرف . وحاول إمام الحرمين ضبط العرف ، فقال : إذا مضى زمن يغلب على الظن أنه أضرب عن السجود قصدا ، أو نسيانا ، فهذا طويل ، وإلا فقصير . قال : وهذا إذا لم يفارق المجلس ، فإن فارق ثم تذكر على قرب الزمان ففيه احتمال عندي لأن الزمان قريب لكن مفارقته المجلس تغلب على الظن الإضراب عن السجود قال : ولو سلم وأحدث ثم انغمس في ماء على قرب الزمان ، فالظاهر أن الحدث فاصل وإن لم يطل الزمان ، وقد نقل قول للشافعي - رحمه الله : أن الاعتبار في الفصل بالمجلس . فإن لم يفارقه ، سجد وإن طال الزمان . وإن فارقه ، لم يسجد وإن قرب الزمان . لكن هذا القول شاذ . والذي اعتمده الأصحاب ، العرف . قالوا : ولا تضر مفارقة المجلس ، واستدبار القبلة .

هذا كله تفريع على قولنا : سجود السهو قبل السلام . أما إذا قلنا : بعده . فينبغي أن يسجد على قرب ، فإن طال الفصل ، عاد الخلاف . وإذا سجد ، فلا يحكم بالعود إلى الصلاة بلا خلاف . هل يتحرم للسجدتين ، ويتشهد ، ويسلم ؟ قال إمام الحرمين : حكمه حكم سجود التلاوة . ثم إذا رأينا التشهد ، فوجهان . وقيل : قولان الصحيح المشهور : أنه يتشهد بعد السجدتين كسجود التلاوة . والثاني : يتشهد قبلهما ، ليليهما السلام .

قلت : هذه مسائل منثورة من الباب . منها أن السهو في الصلاة النفل ، كالفرض على المذهب . وقيل : طريقان . الجديد كذلك ، وفي القديم قولان . أحدهما : كذلك . والثاني : لا يسجد ، حكاه القاضي أبو الطيب ، وصاحبا ( الشامل ) و ( المهذب ) . ولو سلم من الصلاة وأحرم بأخرى ، ثم تيقن أنه ترك ركنا من الأولى ، لم تنعقد الثانية . وأما الأولى ، فإن قصر الفصل بني عليها . وإن طال ، وجب استئنافها . ولو جلس للتشهد في الرباعية ، وشك : هل هو التشهد الأول ، [ ص: 318 ] أم الثاني ، فتشهد شاكا ، ثم قام ، فبان الحال ، سجد للسهو ، سواء بان أنه الأول ، أو الآخر ، لأنه وإن بان الأول ، فقد قام شاكا في زيادة هذا القيام . وإن بان الحال وهو بعد في التشهد الأول ، فلا سجود . ولو نوى المسافر القصر ، وصلى أربع ركعات ناسيا ، ونسي في كل ركعة سجدة ، حصلت له الركعتان ، ويسجد للسهو ، وقد تمت صلاته ، فيسلم ، ولا يلزمه الإتمام ، لأنه لم ينوه . وكذا لو صلى الجمعة أربعا ناسيا ، ونسي من كل ركعة سجدة ، سجد للسهو ، وسلم . ولو سها سهوين ، أحدهما بزيادة ، والآخر بنقص ، وقلنا : يسجد للزيادة بعد السلام ، وللنقص قبله ، سجد هنا قبله على الأصح . وبه قطع المتولي . والثاني . بعده . وبه قطع البندنيجي قال : وكذا الزيادة المتوهمة ، كمن شك في عدد الركعات . ولو أراد القنوت في غير الصبح لنازلة - والعياذ بالله - وقلنا به ، فنسيه لم يسجد للسهو على الأصح .

ذكره في ( البحر ) . ولو دخل في صلاة ثم ظن أنه ما كبر للإحرام ، فاستأنف التكبير والصلاة ، ثم علم أنه كان كبر أولا ، فإن علم بعد فراغه من الصلاة الثانية ، لم يفسد الأولى ، وتمت بالثانية . وإن علم قبل فراغ الثانية ، عاد إلى الأولى ، فأكملها ، وسجد للسهو في الحالين . نقله في ( البحر ) عن نص الشافعي وغيره . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث