الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في حكم الظهار

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما حكم الظهار فللظهار أحكام : منها حرمة الوطء قبل التكفير ولقوله عز وجل { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } أي فليحرروا كما في قوله سبحانه وتعالى { والوالدات يرضعن أولادهن } أي ليرضعن .

وقوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن } أي ليتربصن ، أمر المظاهر بتحرير رقبة قبل المسيس فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمر بتقديم التحرير قبل المسيس معنى وهو كقوله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } وإنه يدل على حرمة النجوى قبل الصدقة إذ لو لم يحرم لم يكن للأمر بتقديم الصدقة على النجوى معنى فكذا هذا .

وروي أن مسلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته ثم أبصرها في ليلة قمراء وعليها خلخال فضة فأعجبته فوطئها فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم { استغفر الله ولا تعد حتى تكفر } أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار والاستغفار إنما يكون عن الذنب فدل على حرمة الوطء وكذا نهى المظاهر عن العود إلى الجماع ، ومطلق النهي للتحريم فيدل على حرمة الجماع قبل الكفارة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إذا قال أنت علي كظهر أمي لم تحل له حتى يكفر ومنها حرمة الاستمتاع بها من المباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر إلى فرجها عن شهوة قبل أن يكفر ; لقوله عز وجل { من قبل أن يتماسا } وأخف ما يقع عليه اسم المس هو اللمس باليد إذ هو حقيقة لهما جميعا أعني الجماع واللمس باليد لوجود معنى المس باليد فيهما ; ولأن الاستمتاع داع إلى الجماع فإذا حرم الجماع حرم الداعي إليه إذ لو لم يحرم لأدى إلى التناقض ولهذا حرم في الاستبراء وفي الإحرام بخلاف باب الحيض والنفاس ; لأن الاستمتاع هناك يفضي إلى الجماع لوجود المانع وهو استعمال الأذى فامتنع عمل الداعي للتعارض فلا يفضي إلى الجماع ولأن هذه الحرمة إنما حصلت بتشبيه امرأته بأمه فكانت قبل انتهائها بالتكفير وحرمة الأم سواء ، وتلك الحرمة تمنع من الاستمتاع كذا هذه ولأن الظهار كان طلاق القوم في الجاهلية فنقله الشرع من تحريم المحل إلى تحريم الفعل فكانت حرمة الفعل في المظاهر منها مع بقاء النكاح كحرمة الفعل في المطلقة بعد زوال النكاح ، وتلك الحرمة تعم البدن كله كذا هذه .

ولا ينبغي للمرأة إذا ظاهر منها زوجها أن تدعه يقربها بالوطء والاستمتاع حتى يكفر ; لأن ذلك حرام عليه والتمكين من الحرام حرام .

ومنها أن للمرأة أن تطالبه بالوطء وإذا طالبته به فعلى الحاكم أن يجبره حتى يكفر ويطأ ; لأنه بالتحريم بالظهار أضر بها حيث منعها حقها في الوطء مع قيام الملك فكان لها المطالبة بإيفاء حقها ودفع التضرر عنها وفي وسعه إيفاء حقها بإزالة الحرمة بالكفارة فيجب عليه ذلك ويجبر عليه لو امتنع .

ويستوي في هذه الأحكام جميع أنواع الكفارات كلها من الإعتاق والصيام والطعام أعني كما أنه لا يباح له وطؤها والاستمتاع بها قبل التحرير والصوم لا يباح له قبل الإطعام وهذا قول عامة العلماء ، وقال مالك : إن كانت كفارته الإطعام جاز له أن يطأها قبله ; لأن الله تعالى ما شرط تقديم هذا النوع على المسيس في كتابه الكريم .

ألا ترى أنه لم يذكر فيه من قبل أن يتماسا ؟ وإنما شرط سبحانه وتعالى في النوعين الأولين فقط فيقتصر الشرط على الموضع المذكور ولنا أنه لو أبيح له الوطء قبل الإطعام فيطؤها ومن الجائز أنه يقدر على الإعتاق والصيام في خلال الطعام فتنتقل كفارته إليه ، فتبين أن وطأه كان حراما فيجب صيانته عن الحرام بإيجاب تقديم الإطعام احتياطا وعلى هذا يخرج ما إذا ظاهر الرجل من أربع نسوة له أن عليه أربع كفارات سواء ظاهر منهن بأقوال مختلفة أو بقول واحد ، وقال الشافعي : إذا ظاهر بكلمة واحدة فعليه كفارة واحدة .

وجه قوله أن الظهار أحد نوعي التحريم فيعتبر بالنوع الآخر وهو الإيلاء ، وهناك لا يجب إلا كفارة واحدة بأن قال لنسائه الأربع : والله لا أقربكن فقربهن فكذا ههنا .

( ولنا ) الفرق بين الظهار وبين الإيلاء وهو أن الظهار وإن كان بكلمة واحدة فإنها تتناول كل واحدة منهن على حيالها فصار مظاهرا من كل واحدة منهن .

والظهار تحريم [ ص: 235 ] لا يرتفع إلا بالكفارة فإذا تعدد التحريم تتعدد الكفارة بخلاف الإيلاء ; لأن الكفارة ثمة تجب لحرمة اسم الله تعالى جبرا لهتكه والاسم اسم واحد فلا تجب إلا كفارة واحدة ، وكذا إذا ظاهر من امرأة واحدة بأربعة أقوال يلزمه أربع كفارات ; لأنه أتى بأربع تحريمات ، ولو ظاهر من امرأة واحدة في مجلس واحد ثلاثا أو أربعا فإن لم يكن له نية فعليه لكل ظهار كفارة ; لأن كل ظهار يوجب تحريما لا يرتفع إلا بالكفارة فإن قيل أنها إذا حرمت بالظهار الأول فكيف تحرم بالثاني ؟ وأنه إثبات الثابت وأنه محال ثم هو غير مفيد فالجواب أن الثاني إن كان لا يفيد تحريما جديدا فإنه يفيد تأكيد الأول فلئن تعذر إظهاره في التحريم أمكن إظهاره في التكفير فكان مفيدا فائدة التكفير ، وإن نوى به الظهار الأول فعليه كفارة واحدة ; لأن صيغته صيغة الخبر وقد يكرر الإنسان اللفظ على إرادة التغليظ والتشديد دون التجديد ، والظهار لا يوجب نقصان العدد في الطلاق ; لأنه ليس بطلاق ولا يوجب البينونة وإن طالت المدة ; لأنه لا يوجب زوال الملك وإنما يحرم الوطء قبل التكفير مع قيام الملك وإن جامعها قبل أن يكفر لا يلزمه كفارة أخرى وإنما عليه التوبة والاستغفار ولا يجوز له أن يعود حتى يكفر لما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل الذي ظاهر من امرأته فواقعها قبل أن يكفر { : استغفر الله ولا تعد حتى تكفر } فأمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لما فعل لا بالكفارة ونهاه صلى الله عليه وسلم عن العود إليه إلا بتقديم الكفارة عليه والله عز وجل أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث