الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ملحق تراجم الأعلام المذكورين في كتاب هداية القاري

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

16- شيخ شيوخنا الشيخ علي الغرياني التاجوري .

شيخ شيوخنا الشيخ علي الغرياني التاجوري :

هو علي بن علي بن بوكر الغرياني
ولد بمدينة تاجوراء من ضاحية طرابلس الغرب بليبيا في بيت علم محافظ عام 1306 هـ ألف وثلاثمائة وستة من الهجرة عالم مقدم وأستاذ مشارك في العلوم الشرعية والعربية مالكي المذهب من أجلة علماء طرابلس الغرب بقية السلف في الخلف علما وتقى وورعا ومهابة لم يره أحد إلا ذكر المخبتين وما رآه أحد على البديهة إلا هابه كان يطبق العلم بالعمل [ ص: 759 ] وكان كثير التلاوة للقرآن الكريم في الصلاة وخارجها وكان يديم التهجد ويحيي ما بين صلاة المغرب والعشاء وما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس يحرص على صلاة الضحى وعلى تطبيق السنة في عبادته وفي أكله وشربه ونومه وكل تصرفاته ، وكان دائم الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال في خلواته وجلواته إلى جانب تواضعه الجم لجلسائه ومحبيه لا يذكر أحدا إلا بخير .

وجهه والده أستاذ الأساتذة وشيخ الشيوخ في وقته إلى حفظ القرآن الكريم فحفظه على يد مقرئ الوقت الشيخ عبد السلام طريش بمدرسة زاوية أبي راوي بمدينة تاجوراء وبعد أن حفظ القرآن الكريم توجه مع أبيه وابن أخيه العلامة الشيخ الطاهر الغرياني إلى الحج وبعد الفراغ من أعمال الحج انتقل والده إلى رحمة الله بالمدينة المنورة ودفن بالبقيع . وقد رجع المترجم له من الحج مع ابن أخيه إلى مدينة تاجوراء .

تلقي المترجم له العلم :

تلقى العلم أولا على أخيه الأكبر العلامة الشيخ محمد علي الغرياني بتاجوراء فدرس عليه النحو والصرف والفقه والحديث الشريف وعلوم الآلة وفي هذه الأيام دارت رحا الحرب في ليبيا مع إيطاليا فاشترك المترجم له في الجهاد ضد الإيطاليين في معركة الهاني وهي معركة مشهورة انتصر فيها الليبيون .

ثم بعد ذلك التحق المترجم له بمدرسة ميزران مدرسة العلوم العربية والشرعية بطرابلس الغرب آنذاك فنهل من مناهلها وانتفع من علومها ورأى شيوخه فيه الطالب المجد والمؤمن الصالح فأحاطوه بعنايتهم وتوجيههم .

شيوخ المترجم له :

حضر العلم على شيوخ كثيرين منهم أخوه الأكبر الأستاذ الجليل الشيخ محمد علي الغرياني الكبير والعارف بالله تعالى الشيخ الضاوي " بالضاد [ ص: 760 ] المعجمة " الذي كان على درجة كبيرة من الصلاح والتقوى والولاية والأستاذ المفسر والمحدث الشيخ عبد الرحمن البوصيري المعروف لدى الخاصة والعامة في ليبيا وغيرها من البلاد الإسلامية فلازمه المترجم له وأعجب به، وكان كثيرا ما يشيد بمكانته العلمية، والعلامة الفاضل الشيخ مختار الشكشوكي وغيرهم من أكابر علماء الوقت بطرابلس الغرب .

جلوس المترجم له للتدريس :

جلس للتدريس في مدرسة " ميزران " بطرابلس المشار إليها آنفا وفي معهد أحمد باشا الديني بطرابلس مدة تقرب من السبعين عاما درس فيها لطلابه مراجع الفقه المالكي كشرح الحطاب وغيره على مختصر الشيخ خليل المعروف ، وكذلك درس التوحيد وجمع الجوامع في الأصول والنحو والصرف والبلاغة والأدب وغير ذلك من العلوم وكان مع طلابه الأب الحنون والمرشد الصادق والمعلم الناجح ، وكان يتفقد طلابه ويرعى شئونهم وكان من حرصه عليهم أن زوج الكثير منهم من ماله الخاص وتعهد لبعضهم بالمؤنة والنفقة . جزاه الله عن العلم وطلابه خيرا .

تلامذة المترجم له :

أما تلامذته فكثيرون جدا يخطئهم العد ولا يأتي عليهم الحصر لأنهم حصيلة التدريس زهاء السبعين عاما للمترجم له منهم الشيخ محمد الأمين الطرابلسي ثم المدني نزيل المدينة المنورة والمتوفى بها عالم القراءات والتجويد وغيرهما من العلوم الشرعية والعربية مما هو مذكور في ترجمته في كتابنا هذا، والشيخ الجليل علي حسن المسلاتي، والعالم الفاضل الشيخ عمر الجنزوري بالنون . والشيخ خليل المزروغي وصاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحمن القلهود مفتي ليبيا الأسبق والأديب الفاضل والعالم الجليل الشيخ عبد اللطيف الشويرف وزير الثقافة في عهد الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا آنذاك ، والدكتور إبراهيم رفيدة الأستاذ بجامعة طرابلس ، وقد التقيت ببعض هؤلاء الأفاضل في مجالس علمية بطرابلس .

[ ص: 761 ] وفاة المترجم له :

حج المترجم له بيت الله الحرام عدة مرات بعد المرة الأولى وفي المرة الأخيرة مرض وهو في طريق العودة إلى تاجوراء ومكث مريضا مدة انتقل بعدها إلى رحمة الله تعالى في اليوم الخامس من شهر ربيع الأنور عام 1395 هـ الموافق للسابع عشر من شهر مارس سنة 1975 م ودفن بمدينة تاجوراء وكان يوم وفاته يوما مشهودا حيث حضر تشييع جنازته الخلق الكثير من العلماء والوجهاء من مدينة طرابلس الغرب وغيرها من المدن والقرى الليبية وكنت ممن شيع هذه الجنازة وهكذا يعرف أهل العلم والصلاح بجنائزهم رحمه الله رحمة واسعة وأورده موارد عفوه آمين .

أفدناه من أحفاد المترجم له من رسالة بعثوا بها إلينا بالمدينة المنورة وهم فضيلة الشيخ سلامة محمد علي الغرياني المدرس بمعهد مالك بن أنس الديني بطرابلس ليبيا . وفضيلة الشيخ أحمد محمد علي الغرياني المدرس بالمعهد الديني المسمى باسم المترجم له بمدينة تاجوراء ، وفضيلة الدكتور الصادق عبد الرحمن علي الغرياني الأستاذ بجامعة طرابلس وأفدناه أيضا من فضيلة الدكتور عز الدين محمد الغرياني بدار الإفتاء بطرابلس والأستاذ بالجامعة بطرابلس أيضا ، نفع الله بعلمهم المسلمين آمين .

التعقيب على هذه الترجمة :

أقول بعد ذكر ترجمة هذا العالم الكبير: إنه مما هو جدير بالذكر أني قد عاصرت هذا الشيخ والتقيت به مرات كثيرة وكنت من الذين يحضرون مجالسه العلمية التي كان فيها قمة حيث كان يستفيد منه كل الجلوس وكانت له مجالس وعظية كان فيها آية فكان إذا اقتحم هذا المجال اهتزت قلوب الجلوس واقشعرت أبدانهم من قوة تذكيره ونصحه لهم وما كان يمتلكه من أسلوب رفيع وعبارات فصيحة وفوق ذلك كله الإخلاص الذي يلبس كلامه فرحمه الله رحمة واسعة ولا نزكيه على الله . وكانت هذه المعاصرة أيام وجودي في ليبيا حيث كنت أعمل مدرسا بمدينة تاجوراء لمدة تقرب من ستة عشر عاما وكنت أقطن بجواره وزرته في بيته مرات وشملني بعطفه ورعايته وكان أولاده معي على نفس الدرب يسيرون [ ص: 762 ] فكان منهم أستاذنا صاحب الفضيلة الشيخ محمد علي الغرياني رحمه الله تعالى كانت له اليد الطولى علي في النواحي العلمية فدرست عليه بمدرسة أبي راوي بتاجوراء وبمنزله أيضا الذي كان مفتوحا لطلاب العلم وللعلماء من ليبيا وغيرها من البلدان الإسلامية - الكثير من العلوم العربية والشرعية منها الحديث الشريف ومصطلحه والفقه المقارن من كتاب بداية المجتهد لابن رشد ومذكرة أصول الفقه للأستاذ الكبير الشيخ أبي النجا العالم المصري الأزهري المعروف وشرح كل من الأسنوي والبدخشي على منهاج الوصول في علم الأصول للإمام البيضاوي ورسالة التوحيد للشيخ محمد عبده وكتاب الاقتصاد في الاعتقاد لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وشرح الدمنهوري وغيره من شراح السلم في المنطق والقوانين الفقهية للإمام الكبير ابن جزي الكلبي وغير ذلك من العلوم رحمه الله رحمة واسعة وبارك في أولاده وفي أسرة الغرياني عموما ونفع بعلمهم المسلمين آمين .

كتبه عبد الفتاح السيد عجمي المرصفي ، بالمدينة المنورة في مساء الجمعة 24 من شوال سنة 1405 هـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث