الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله : وتثليث الغسل ) أي تكراره ثلاثا سنة لكن الأولى فرض [ ص: 24 ] والثنتان سنتان مؤكدتان على الصحيح كذا في السراج واختاره في المبسوط الأولى أن يقال إنهما سنة مؤكدة لا توصف الثانية وحدها أو الثالثة وحدها بالسنية إلا مع ملاحظة الأخرى والسنة تكرار الغسلات المستوعيات لا الغرفات ، وإن اكتفى بالمرة الواحدة قيل يأثم ; لأنه ترك السنة المشهورة ، وقيل لا يأثم ; لأنه قد أتى بما أمره به ربه كذا في الظهيرية ولا يخفى ترجيح الثاني لقولهم والوعيد في الحديث لعدم رؤيته الثلاث سنة فلو كان الإثم يحصل بالترك لما احتيج إلى حمل الحديث على ما ذكروا ، وقيل إن اعتاد يكره ، وإلا فلا واختاره في الخلاصة وقد ذكروا دليل السنة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لا يقبل الله الصلاة إلا به وتوضأ مرتين مرتين وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم } فأما صدره إلى قوله { فمن زاد } فرواه الدارقطني وأما عجزه من قوله { فمن زاد } إلى آخره فرواه ابن ماجه والنسائي

                                                                                        وقوله { توضأ مرة } أي غسل كل عضو مرة والمراد بالقبول الجواز بمعنى الصحة وإنما قلنا هذا لما عرف أن القبول لا يلازم الصحة لأن الصحة تعتمد وجود الشرائط والأركان والقبول يعتمد صدق العزيمة وخلوصها ، وله شرائط كثيرة لقوله تعالى { إنما يتقبل الله من المتقين } واختلف في معنى قوله { فمن زاد على هذا } على أقوال فقيل على الحد المحدود ، وهو مردود بقوله عليه الصلاة والسلام { من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل } والحديث في المصابيح وإطالة الغرة تكون بالزيادة على الحد المحدود ، وقيل على أعضاء الوضوء وقيل الزيادة على العدد والنقص عنه والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل حتى لو زاد أو نقص واعتمد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد كذا في البدائع واقتصر عليه في الهداية وعلى الأقوال كلها لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنية وضوء آخر بعد الفراغ من الأول فلا بأس به ; لأنه نور على نور وكذا إن نقص لحاجة لا بأس به كذا في المبسوط وأكثر شروح الهداية ، وفيه كلام ; لأنهم قد صرحوا بأن تكرار الوضوء في مجلس واحد لا يستحب بل يكره لما فيه من الإسراف في الماء كما في السراج الوهاج فكيف يدعي الاتفاق كما في الخلاصة على عدم الكراهة لو نوى وضوءا آخر حين فرغ من الأول اللهم إلا أن يحمل على ما إذا اختلف المجلس ، وهو بعيد كما لا يخفى وفي الحديث لف ونشر ; لأن التعدي يرجع إلى الزيادة والظلم إلى النقصان كذا في غاية البيان وقيد المصنف بالغسل احتراز عن المسح ، فإنه لا يسن تثليثه كذا في فتح القدير

                                                                                        وإذا كان غير مسنون فهل يكره فالمذكور في المحيط والبدائع أنه يكره وفي الخلاصة أنه بدعة ، وقيل لا بأس به ، وفي فتاوى قاضي خان وعندنا لو مسح ثلاث مرات بثلاث مياه لا يكره ولكن لا يكون سنة ولا أدبا . ا هـ .

                                                                                        وهو الأولى كما لا يخفى إذ لا دليل على الكراهة وسيأتي تمامه ( قوله : ونيته ) أي ونية المتوضئ [ ص: 25 ] رفع الحدث أو إقامة الصلاة هذا هو مراد المصنف كما أفصح عنه في الكافي فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكره الزيلعي كما لا يخفى واستفيد منه أن نية الطهارة لا تكفي في تحصيل السنة كأنه والله أعلم لأنها متنوعة إلى إزالة الحدث أو الخبث فلم ينو خصوص الطهارة الصغرى ، فعلى هذا لو نوى الوضوء ، فإنه يكون محصلا لها ; لأن الوضوء ورفع الحدث سواء ; لأن حقيقة الوضوء رفع الحدث كما حققناه أولا ، وعلى هذا فيصح عود الضمير إلى الوضوء وسقط به كلام الزيلعي أيضا كما لا يخفى مع أن الوضوء أخص من رفع الحدث ; لأنه يشمل الغسل فعلى هذا نية الوضوء أولى قالوا المعتبر قصد رفع الحدث أو إقامة الصلاة كما ذكر أو استباحتها أو امتثال الأمر كما في المعراج ولا يتأتى الأخير قبل دخول الوقت إذ ليس مأمورا به إلا أن يقال إن الوضوء لا يكون نفلا ; لأنه شرط للصلاة وشرطها فرض ولا يخفى ما فيه ، وهي لغة عزم القلب على الشيء واصطلاحا كما في التلويح قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل

                                                                                        واعترض عليه بأن هذا إنما يستقيم في العبادات المترتب عليها الثواب دون المنهيات المترتب عليها العقاب فالصواب أن تفسر النية بتوجه القلب نحو إيجاد الفعل وتركه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا ا هـ وقد يقال إن هذا الاعتراض مبني على أن المكلف به في النهي ليس هو الكف الذي هو الانتهاء ، وهو قول البعض والراجح في الأصول أنه لا تكليف إلا بفعل فهو في النهي كفه النفس فحينئذ دخل في إيجاد الفعل وفي الصحاح العزم إرادة الفعل والقطع عليه والقصد إتيان الشيء وذكر اليمني في شرح الشهاب ثم النية معنى وراء العلم فهي نوع إرادة كالقصد والعزيمة والهم والحب والود فالكل اسم للإرادة الحادثة لكن العزم اسم للمتقدم على الفعل والقصد اسم للمقترن بالفعل والنية اسم للمقترن بالفعل مع دخوله تحت العلم بالمنوي ، وهذا ; لأن الفعل لا يوجد بدون الإرادة ، فإذا قام الرجل من قعوده لا بد وأن يكون مريدا للقيام ، وإن لم تعمل إرادته القيام وقد يركع الرجل ويسجد ذاهلا عن معرفة إرادة الركوع والسجود ويستحيل وجودهما بدون الإرادة بالكلية لأن الإرادة صنو القدرة وإنما المفقود العلم لا غير ; ولذا قلنا للمكره إرادة ، وإن كانت فاسدة بمقابلة إرادة المكره لكن قد تذكر النية مقام العزيمة كما في قولنا ونوى الصوم بالليل أي عزم عليه ، وأطال فيه فليراجع لاشتماله على فوائد كثيرة

                                                                                        ثم اعلم أن النية في غير التوضؤ بسؤر الحمام وبنبيذ التمر سنة مؤكدة على الصحيح وليست بشرط في كون الوضوء مفتاحا للصلاة ووقتها عند غسل الوجه ومحلها القلب والتلفظ بها مستحب كذا في السراج الوهاج ، وأما النية في التوضؤ بسؤر الحمام أو بنبيذ التمر فشرط كذا في شرح المجمع والنقاية معزيين إلى الكفاية قيدنا بقولنا في كونه مفتاحا ; لأنها شرط في كونه سببا للثواب على الأصح وقيل [ ص: 26 ] يثاب بغير نية ثم استدل الشافعي على اشتراطها فيه بالحديث المشهور المتفق على صحته { إنما الأعمال بالنية } ووجهه أن المراد بالأعمال العبادات لأن كثيرا من الأعمال تعتبر شرعا بلا نية فيكون المراد إنما صحة العبادات بالنية والوضوء عبادة لأنها فعل ما يرضي الرب ، وهو كذلك فصار كالتيمم ولنا على ما ذكره الأصوليون أن حقيقة هذا التركيب متروكة بدلالة محل الكلام ; لأن كلمة إنما للحصر ، وقد دخلت على المعرف فاللام الاستغراق ، وذلك يقتضي أن لا يوجد عمل بلا نية ولا يمكن حمله على العموم ; لأن كثيرا من الأعمال يوجد بلا نية ، فصار مجازا عن حكمه فالتقدير حكم الأعمال بالنيات من إطلاق اسم السبب على المسبب أو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والحكم نوعان : مختلفان أحدهما : أخروي ، وهو الثواب والإثم ، وهو بناء على صدق العزيمة وعدمه والثاني دنيوي ، وهو الجواز

                                                                                        والفساد هو بناء على وجود الأركان والشرائط وعدمها ولما اختلف الحكمان صار الاسم بعد كونه مجازا مشتركا ويكفي في تصحيحه ما هو المتفق عليه ، وهو الحكم الأخروي ولا دليل على ما اختلف فيه فلا يصلح تقديره حجة علينا فاندفع بهذا التقرير ما أورده في الكشف وشرح المغني وشرح المنار من أن قولهم إن الحكم مشترك ولا عموم له ممنوع بل هذا في المشترك اللفظي أما المشترك المعنوي فله عموم كالشيء والحكم منه فيتناول الكل باعتبار المعنى الأعم إذ تفسير الحكم الأثر الثابت بالشيء ا هـ .

                                                                                        مع أن الأكمل في تقريره أجاب عنه بأن هذا إنما يستقيم أن لو كان الحكم مقولا عليهما بالتواطؤ ، وهو ممنوع ; لأن الجواز والفساد وإن كانا أثرين ثابتين بالأعمال موجبين لها لكن الثواب والعقاب ليسا كذلك على المذهب الصحيح ا هـ .

                                                                                        يعني : لتخلفهما في الأول بعدم القبول مع الصحة وفي الثاني بالعفو من الله تعالى والمراد بالأعمال ما يشمل عمل القلب فيدخل فيه كف النفس بالنهي ، فإنه عمل ولا ترد النية ; لأنها خارجة لمعنى يخصها ، وهو لزوم التسلسل لكن اعتبار النية للتروك إنما هو لحصول الثواب لا للخروج عن عهدة النهي ; لأن مناط الوعيد بالعقاب في النهي هو فعل المنهي فمجرد تركه كاف في انتفاء الوعيد ومناط الثواب في المنهي كف النفس عنه ، وهو عمل مندرج في الحديث وعلى هذا ففرق الشافعية بين الوضوء وإزالة النجاسة بأن الوضوء فعل فيفتقر إلى النية وطهارة النجاسة من باب التروك فلا تفتقر إلى النية كترك الزنا ضعيف ، فإن التكليف أبدا لا يقع إلا بالفعل الذي هو مقدور المكلف لا بعدم الفعل الذي هو غير مقدور وجوده قبل التكليف كما عرف في مقتضى النهي أنه كف النفس عن الفعل لا عدم الفعل والترك ليس بفعل ; ولهذا لا يثاب المكلف على الترك إلا إذا ترك قاصدا فلا يثاب على ترك الزنا إلا إذا كف نفسه عنه قصدا لا إذا اشتغل عنه بفعل آخر كالنوم والعبادة وتركه بلا قصد فلا فرق بين الفعل والترك الموجبين للثواب والعقاب

                                                                                        وقوله إن الوضوء [ ص: 27 ] عبادة والعبادة لا تصح إلا بالنية سلمناه لأنه لا يقع عبادة بدونها عندنا ، وليس الكلام في هذا بل في أنه إذا لم ينو حتى لم يقع عبادة سببا للثواب فهل يقع الشرط المعتبر للصلاة حتى تصح به أو لا ؟ ليس في الحديث دلالة على نفيه ولا إثباته فقلنا نعم ; لأن الشرط مقصود التحصيل لغيره لا لذاته فكيف حصل تحصيل المقصود ، وصار كستر العورة وباقي شروط الصلاة لا يفتقر اعتبارها إلى أن تنوى فمن ادعى أن الشرط وضوء هو عبادة فعليه البيان بخلاف التيمم ; لأن التراب لم يعتبر شرعا مطهرا إلا للصلاة وتوابعها لا في نفسه فكان التطهير به تعبدا محضا ، وفيه يحتاج إلى النية وقياس الوضوء على التيمم ضعيف ; لأن شرط صحة القياس أن لا يكون الأصل متأخرا والتيمم شرع بعد الهجرة والوضوء قبلها إلا إن قصد به الاستدلال بمعنى لما شرع التيمم بشرط النية ظهر وجوبها في الوضوء فهو بمعنى لا فارق ، فليس الجواب إلا بإثبات الفارق المتقدم وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي الوضوء ، ولم يبين له النية ، فلو كانت شرطا لبينها له ، وقد علم مما قدمناه أن الوضوء يقع عبادة فقول بعضهم إنه ليس بعبادة محمول على ما إذا لم ينو أو مراده نفي العبادة كما صرح به في الكافي وغيره وبهذا اندفع ما ذكره النووي من الرد على من نفى العبادة عن الوضوء متمسكا بحديث مسلم { الطهور شطر الإيمان }

                                                                                        واعلم أن المذكور في الأصول أن الغسل والمسح في آية الوضوء خاصان وهو لا يحتمل البيان فاشتراط النية في الوضوء زيادة على النص بخبر الواحد لو دل عليها ، وهو لا يجوز فأورد العقدة الأخيرة ، فإنها فرض بخبر الواحد فأجيب بأن الصلاة مجملة في حق ما تتم به إذ لم يعرف بأن إتمامها بأي شيء يقع فاحتاج إلى البيان وقد بين بالحديث فالفرض ثبت بالكتاب والحديث والتحق به بيانا لمجمله فأورد أنه ينبغي أن يلتحق خبر الفاتحة كذلك فأجيب بأنه لا إجمال في أمر القراءة بل هو خاص وأورد أيضا أنه ينبغي عدم اشتراط النية في العبادات لما ذكر أجيب بأنها فرض فيها لا بالحديث المذكور بل بقوله تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ، فإنه جعل الإخلاص الذي هو عبارة عن النية حالا للعابدين والأحوال شروط ومن هنا نشأ إشكال على من استدل به على اشتراطها في العبادات كصاحب الهداية مع قولهم في الأصول إن حديث { إنما الأعمال بالنيات } من قبيل ظني الثبوت والدلالة يفيد السنية والاستحباب وسيأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى .

                                                                                        [ ص: 24 ]

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        [ ص: 24 ] ( قوله : ولا يخفى ترجيح الثاني إلخ ) قال بعض الفضلاء هذا يخالف ما قاله في المضمضة من أن السنة المؤكدة في قوة الواجب فيأثم بتركها وقال في باب صفة الصلاة اعلم أن الظاهر من كلام أهل المذهب أن الإثم منوط بترك الواجب أو السنة المؤكدة على الصحيح لتصريحهم بأن من ترك سنن الصلوات الخمس قيل لا يأثم .

                                                                                        والصحيح أنه يأثم ذكره في فتح القدير وتصريحهم بالإثم لمن ترك الجماعة مع أنها سنة مؤكدة على الصحيح ، وكذا في نظائره كما هو معلوم لمن تتبع كلامهم ولا شك أن الإثم مقول بالتشكيك بعضه أشد من بعض فالإثم لتارك السنة المؤكدة أخف من الإثم لتارك الواجب وقال في باب الإمامة الجماعة سنة مؤكدة أي قوية تشبه الواجب في القوة والراجح عند أهل المذهب الوجوب ونقله في البدائع عن عامة مشايخنا وذكر هو وغيره أن القائل منهم إنها مؤكدة ليس مخالفا في الحقيقة بل في العبارة ; لأن السنة والواجب سواء خصوصا ما كان من شعائر الإسلام ا هـ .

                                                                                        وفي كلامه تناقض ; لأنه جعل السنة المؤكدة تارة دون الواجب وتارة مثله ولا يمكن دفعه إلا بحمل إفراد السنة المؤكدة على التفاوت في التأكد والقوة فيكون بعضها لزيادة تأكده في مرتبة الواجب كالجماعة وبعضها لقلة تأكده دونه كتثليث الغسل ( قوله : فكيف يدعي الاتفاق إلخ ) قال في النهر وأقول : لا تدافع في كلامهم لاختلاف الموضوع ، وذلك أن ما في الخلاصة فيما إذا أعاده مرة واحدة وما في السراج فيما إذا كرر مرارا ولفظه في السراج لو تكرر الوضوء في مجلس واحد مرارا لم يستحب بل يكره لما فيه من الإسراف فتدبر ا هـ .

                                                                                        لكن قال الحلبي في شرح المنية : أطبقوا على أن الوضوء عبادة غير مقصودة لذاتها فإذا لم يؤد به عمل مما هو المقصود من شرعيته كالصلاة وسجدة التلاوة ومس المصحف ينبغي أن لا يشرع تكراره قربة لكونه غير مقصود لذاته فيكون إسرافا محضا ا هـ . فليتأمل

                                                                                        ( قوله : إذ لا دليل على الكراهة ) أقول : قد يستدل عليها بالحديث المار من قوله عليه الصلاة والسلام { فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم } ; لأن أئمتنا استدلوا على أنه مرة واحدة بالحديث المصرح فيه بها وحملوا ما صرح [ ص: 25 ] فيه بالثلاث على التثليث بماء واحد كما يأتي فوضوءه عليه السلام ليس فيه تثليث المسح بمياه عندنا فترجع إليه الإشارة في قوله { فمن زاد على هذا } إلخ إذا لا شك أن هذا زيادة بناء على ما ثبت عندنا من وضوئه صلى الله عليه وسلم تأمل وفي شرح المنية الكبير بعد حكاية الأقوال ما نصه والأوجه أنه يكره قال في الكافي : التثليث يعني بمياه يقربه من الغسل ولو بدله به كره كذا إذا قربه منه ا هـ .

                                                                                        ( قوله : فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكره الزيلعي ) عبارته هكذا ونيته أي نية الوضوء فالهاء راجعة إلى الوضوء ; لأنه المذكور وكذا وقع في مختصر القدوري حيث قال ينوي الطهارة والمذهب أن ينوي ما لا يصح إلا بالطهارة من العبادة أو رفع الحدث كما في التيمم وعن بعضهم نية الطهارة في التيمم تكفي ، فكذا هاهنا فعلى هذا لا يرد عليه ، ويجوز أن يكون الضمير عائدا على الشخص المتوضئ ; لأن الكلام يدل عليه أي ونية الرجل الصلاة فيكون المفعول محذوفا ا هـ .

                                                                                        وحاصله أن الضمير إما عائد على الوضوء أو على المتوضئ لكن يرد على الأول وعلى قول القدوري ينوي الطهارة ما ذكره من أن المذهب نية ما لا يصح إلا بالطهارة أو رفع الحدث إلا أن يقاس على التيمم فتصح نية الطهارة ومثلها الوضوء بالأولى ; لأنه أخص وعلى هذا لا يرد شيء وحينئذ فاعتراض الشارح على الزيلعي أولا حيث أرجع الضمير إلى الوضوء ومقدما له واحتاج إلى الجواب عنه مع أن صاحب المتن أرجعه إلى المتوضئ وصاحب الدار أدرى وثانيا بأن الوضوء ورفع الحدث سواء وحينئذ فلا يصح ما أورده بقوله والمذهب إلخ ; لأن رفع الحدث هو حقيقة الوضوء فنية الوضوء لا تكون مخالفة للمذهب ( قوله : لأنها متنوعة إلخ ) قيل فيه نظر ، فإن الحدث متنوع إلى أكبر وأصغر وقد كفى نية رفعه في تحصيل السنة . ا هـ .

                                                                                        قلت قد يفرق بأن الأكبر مشتمل على الأصغر فالحدث ، وإن تنوع فالمقصود ، وهو الأصغر حاصل إما استقلالا وإما ضمنا بخلاف الخبث ( قوله ولا يخفى ما فيه ) لمنافاته لما مر من أنه يكون واجبا ومندوبا [ ص: 26 ] ( قوله : صار الاسم بعد كونه مجازا مشتركا ) ; لأن التقدير حكم الأعمال ، وهذا مجاز كما تقدم تقديره والحكم المقدر مشترك بين النوعين المختلفين فنزيد منهما ما هو المتفق عليه وعندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى ، وهو الحكم الأخروي إذا لا ثواب بدون النية اتفاقا وأما الدنيوي فلا دليل عليه ( قوله : فاندفع بهذا التقرير ما أورده في الكشف إلخ ) .

                                                                                        اعلم أن الأصوليين قالوا لما صار الاسم مشتركا والمشترك لا عموم له عندنا أردنا المعنى المتفق عليه الذي هو الأخروي وأورد عليهم أن الذي لا عموم له هو المشترك اللفظي ولا نسلم أن الحكم مشترك بين النوعين اشتراكا لفظيا بأن يوضع بإزاء كل منهما وضعا على حدة بل هو مشترك معنوي موضوع للأثر الثابت بالشيء فيعم الحكمين كما يعم الحيوان الإنسان والفرس وغيرهما واللون السواد والبياض ونحوهما فإرادة النوعين لا تكون من عموم المشترك في شيء فلا حاجة إلى إرادة أحدهما لتصحيحه وأنت خبير بأن التقدير الذي قرره الشارح هو عين ما قرره الأصوليون فيرد عليه ما أورد عليهم فكيف يندفع الإيراد بمجرد تقريره وليس فيه شيء زائد عليه يصلح للدفع اللهم إلا أن يقال إن معنى تقريره أنا نريد بالحكم المعنى المتفق عليه وندع الآخر الذي لا دليل عليه لا لما قالوا من عدم عموم المشترك بل استغناء من المعنيين بأحدهما المتفق عليه سواء كان الحكم مشتركا لفظيا أو معنويا وبهذا يحصل الدفع للإيراد المذكور ولكن ينافي الحمل على هذا المعنى قوله ويكفي في تصحيحه ، فإنه ظاهر فيما قاله الأصوليون فليتأمل

                                                                                        ( قوله : مع أن الأكمل في تقريره أجاب عنه ) أي عن الإيراد المذكور وحاصله كما في شرح المنار للشارح أن المشترك المعنوي إن كان متواطئا قبل العموم ، وإن كان مشككا لا يقبله ( قوله : عليهما ) أي على الحكمين ( قوله : لكن الثواب والعقاب ليسا كذلك على المذهب الصحيح ) أي خلافا للمعتزلة بل الأعمال عند أهل السنة علامات محضة عليهما كما تقرر في موضعه فإطلاق الحكم عليها يكون بالمعنى الآخر بالضرورة ولا معنى للاشتراك إلا هذا ( قوله : وقوله وإن الوضوء ) أي قول الشافعي المفهوم من المقام [ ص: 27 ] ( قوله : فقلنا نعم ) أي أنه يقع الشرط المعتبر للصلاة ( قوله : فليس الجواب إلا بإثبات الفارق المتقدم ) ، وهو أن التراب لم يعتبر شرعا مطهرا إلا للصلاة .




                                                                                        الخدمات العلمية