الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الإنصاف:

اعلم - رحمك الله تعالى - أن الراوي لا تطرح روايته لوهمه إلا إذا زاد [ ص: 36 ] - وفحش أو اختلط، فالوهم والنسيان والإسقاط والخطأ غير المتعمد كل ذلك يجري على البشر جميعا عالمهم وجاهلهم، حافظهم وغير الحافظ منهم، فلا تطرح رواية الراوي إلا ما كثر منه ذلك ولم يتميز حديثه، فعندها يترك. قال الإمام مسلم في (التمييز): حدثني محمد بن المثنى قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي : يا أبا موسى أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد، قلت: يا أبا سعيد هم يقولون: إنك تحدث عن كل أحد! قال: عمن أحدث؟ فذكرت له محمد بن راشد المكحولي، فقال لي: احفظ عني: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه; وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس; وآخر الغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه. وقال الثوري : ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك. قال الترمذي في العلل: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم. ا هـ.

قال مسلم : وقد ذكرنا من مذاهب أهل العلم وأقاويلهم في درجات الحفاظ من وعاة العلم ونقال الأخبار والسنن والآثار، ما يستدل به ذو اللب على تفاوت أحوالهم ومنازلهم في الحفظ وأسبابه، فيعلم أن منهم المتوقي المتقن لما حصل من علم وما أدى منه إلى غيره، وأن منهم من هو دونه في رداءة الحفظ والتساهل فيه، وأن منهم المتوهم المتقن.

وقد اشترط النبي - صلى الله عليه وسلم - على سامع حديثه ومبلغه حين دعا له أن يعيه ويحفظه، ثم يؤديه كما سمعه، فالمؤدي لذلك بالتوهم غير المتيقن مؤد على خلاف [ ص: 37 ] ما شرط النبي - صلى الله عليه وسلم - وغير داخل في جزيل ما يرجى من إجابة دعوته عليه، والله أعلم.

فإن كان المؤدي جاء بخبر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتوهم قد أزال معنى الخبر بتوهمه عن الجهة التي قاله بنقصان فيه أو زيادة حتى يصير قائلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كمن لا يعلم، لم يؤمن عليه الدخول فيما صح به الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. لأن عليه أن يعلم أن عمد التوهم في نقل خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - محرم، فإذا علم ذلك ثم لم يتحاش من فعله، فقد دخل في باب تعمد الكذب، فإن كان لم يعلم تحريم ذلك فهو جاهل لما يجب عليه، والواجب عليه تعلم تحريمه، والانزجار عن فعله.

وقال الترمذي في العلل: وقد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من جلة أهل العلم وضعفوهم من قبل حفظهم، ووثقهم آخرون من الأئمة بجلالتهم وصدقهم وإن كانوا وهموا في بعض ما رووا. قد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو ثم روى عنه.. إلى أن قال: قال علي: ولم يرو يحيى عن شريك ولا عن أبي بكر بن عياش ، ولا عن الربيع بن صبيح ، ولا عن المبارك بن فضالة. ا هـ. قال الترمذي : وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم... وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك ، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة. قال ابن رجب في شرح العلل: اعلم أن الرواة أقسام: فمنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من غلب على حديثه المناكير، لغفلته وسوء حفظه. وقسم ثالث: أهل صدق وحفظ، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل، وهؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم. وقسم رابع: وهم أهل صدق وحفظ، ولكن [ ص: 38 ] يقع الوهم في حديثهم كثيرا، لكن ليس هو الغالب عليهم. وهذا القسم الذي ذكره الترمذي ههنا، وذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه ترك هذه الطبقة، وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضا رأي سفيان ، وأكثر أهل الحديث المصنفين، منهم في السنن والصحاح: كمسلم بن الحجاج وغيره، فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان، وأنهم على ضربين: أحدهما: من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش. والثاني: من هو دونهم في الحفظ والإتقان، ويشملهم اسم الصدق والستر وتعاطي العلم: كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد ، وليث ابن أبي سليم. فقيل: إنه أدركته المنية قبل تخريج هؤلاء، وقيل: إنه أخرج لهم في المتابعات، وذلك كان مراده. وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي ، مع أنه خرج لبعض من هو دون هؤلاء، وبين ذلك ولم يسكت عنه.

وقال الذهبي في (السير) عند الحديث عن هشام بن عروة : الرجل ثقة مطلقا، ولا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر وتنقص حدة ذهنه، فليس هو في شيخوخته كهو في شبيبته. وما ثم أحد بمعصوم من السهو والنسيان، وما هذا التغير بضار أصلا، وإنما الذي يضر الاختلاط، وهشام لم يختلط قط، هذا أمر مقطوع به، وحديثه محتج به في الموطأ والصحاح والسنن، فقول ابن القطان: إنه اختلط، قول مردود مرذول، فأرني إماما من الكبار سلم من الخطأ والوهم: فهذا شعبة وهو في الذروة له أوهام، وكذلك معمر ، والأوزاعي ، ومالك رحمة الله عليهم [ ص: 39 ] .

فهذا هو منهج المحدثين في هذه المسألة، أنه لا تطرح رواية إلا من كثر منه الوهم والغلط، ومن خرج عن هذا المنهج ردوا عليه ولم يقبلوا منه. قال ابن أبي حاتم - رحمه الله - في مراتب الرواة: فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث، فهذا الذي لا يختلف فيه ويعتمد على جرحه وتعديله ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال; ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه المتقن فيه، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه ويوثق في نفسه; ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانا، وقد قبله الجهابذة النقاد فهذا يحتج بحديثه; ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام; وخامس قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته الأئمة.

وتقدم قول ابن مهدي، والثوري ، والترمذي ، وابن رجب عليهم جميعا، رحمهم الله.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث