الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم

جزء التالي صفحة
السابق

هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق .

قوله تعالى : " هذان خصمان " اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال :

أحدها : أنها نزلت في النفر الذين تبارزوا للقتال يوم بدر ، حمزة ، وعلي ، وعبيد بن الحارث ، وعتبة وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة ، هذا قول أبي ذر .

والثاني : أنها نزلت في أهل الكتاب ، قالوا للمؤمنين : نحن أولى بالله ، وأقدم منكم كتابا ، ونبينا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون : نحن أحق بالله ، آمنا بمحمد ، وآمنا بنبيكم ، وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون نبينا ، ثم كفرتم به حسدا ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس وقتادة .

والثالث : أنها في جميع المؤمنين والكفار ، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ، وعطاء ، ومجاهد . [ ص: 417 ]

والرابع : أنها نزلت في اختصام الجنة والنار ، فقالت النار : خلقني الله لعقوبته ، وقالت الجنة : خلقني الله لرحمته ، قاله عكرمة .

فأما قوله تعالى: " هذان " وقرأ ابن عباس ، وابن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن كثير : ( هاذان ) بتشديد النون ( خصمان ) ، فمعناه : جمعان ، وليسا برجلين ، ولهذا قال تعالى : " اختصموا " ، ولم يقل : اختصما ، على أنه قرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة : ( اختصما ) .

وفي خصومتهم ثلاثة أقوال :

أحدها : في دين ربهم ، وهذا على القولين الأولين . والثاني : في البعث ، قاله مجاهد . والثالث : أنه خصام مفاخرة ، على قول عكرمة .

قوله تعالى : " قطعت لهم ثياب " ; أي : سويت وجعلت لباسا . قال ابن عباس : قمص من نار . وقال سعيد بن جبير : المراد بالنار هاهنا : النحاس . فأما " الحميم " فهو الماء الحار " يصهر به " ، قال الفراء : يذاب به ، يقال : صهرت الشحم بالنار . قال المفسرون : يذاب بالماء الحار ما في بطونهم من شحم أو معى حتى يخرج من أدبارهم ، وتنضج الجلود فتتساقط من حره . " ولهم مقامع " قال الضحاك : هي المطارق . وقال الحسن : إن النار ترميهم بلهبها ، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع ، فهووا فيها سبعين خريفا ، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها ، فلا يستقرون ساعة . قال مقاتل : إذا جاشت جهنم ألقتهم في أعلاها ، فيريدون الخروج ، فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع فيضربونهم ، [ ص: 418 ] فيهوي أحدهم من تلك الضربة إلى قعرها . وقال غيره : إذا دفعتهم النار ظنوا أنها ستقذفهم خارجا منها ، فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث