الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة غسل يوم الجمعة إنما هو لليوم لا للصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

. 179 - مسألة : وغسل يوم الجمعة إنما هو لليوم لا للصلاة ، فإن صلى الجمعة والعصر ثم اغتسل أجزأه ذلك ، وأول أوقات الغسل المذكور إثر طلوع الفجر من يوم الجمعة ، إلى أن يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله قبل غروب آخره ، وأفضله أن يكون متصلا بالرواح إلى الجمعة ، وهو لازم للحائض والنفساء كلزومه لغيرهما .

برهان ذلك ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا شعيب هو ابن أبي حمزة - عن الزهري ، قال طاوس : قلت لابن عباس : ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنبا وأصيبوا من الطيب } قال : أما الغسل فنعم ، وأما الطيب فلا أدري .

[ ص: 267 ] حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني محمد بن حاتم ثنا بهز ثنا وهيب هو ابن خالد - حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ، يغسل رأسه وجسده } .

حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي حدثنا محمد بن أحمد بن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا روح بن عبادة ثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة رفعه قال { على كل مسلم في كل سبعة أيام غسل وهو يوم الجمعة } .

وهكذا رويناه من طريق جابر والبراء مسندا ، فصح بهذا أنه لليوم لا للصلاة وروينا عن نافع عن ابن عمر : أنه كان يغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة فيجتزئ به من غسل الجمعة ، وعن شعبة - عن منصور بن المعتمر عن مجاهد قال : إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه . وعن الحسن : إذا اغتسل يوم الجمعة بعد طلوع الفجر أجزأه للجمعة ، فإذن هو لليوم ، ففي أي وقت من اليوم اغتسل أجزأه ، وعن إبراهيم النخعي كذلك . فإن قال قائل : فإنكم قد رويتم من طريق شعبة عن الحكم عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل } . ورويتم من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل } وعن الليث عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه { عن رسول [ ص: 268 ] الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو قائم على المنبر من جاء منكم الجمعة فليغتسل } . قلنا نعم ، وهذه - آثار صحاح ، وكلها لا خلاف فيها لما قلنا .

أما قوله عليه السلام { من جاء منكم الجمعة فليغتسل } فهو نص قولنا ، وإنما فيه أمر لمن جاء الجمعة بالغسل ، وليس فيه أي وقت يغتسل ، لا بنص ولا بدليل ، وإنما فيه بعض ما في الأحاديث الأخر لأن في هذا إيجاب الغسل على كل من جاء إلى الجمعة ، فليس فيه إسقاط الغسل عمن لا يأتي الجمعة ، وفي الأحاديث الأخر التي من طريق ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم إيجاب الغسل على كل مسلم وعلى كل محتلم ، فهي زائدة حكما على ما في حديث ابن عمر ، فالأخذ بها واجب . وأما قوله عليه السلام : { إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل } فكذلك أيضا سواء سواء ، وقد يريد الرجل أن يأتي الجمعة من أول النهار ، وليس في هذا الخبر ولا في غيره إلزامه أن يكون إتيانه الجمعة لا من أول النهار ، وليس في هذا الخبر ولا في غيره إلزامه أن يكون أتى متصلا بإرادته لإتيانها ، بل جائز أن يكون بينهما ساعات ، فليس في هذا اللفظ أيضا دليل ولا نص يوجب أن يكون الغسل متصلا بالرواح .

وأما قوله عليه السلام : { إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل } فظاهر هذا اللفظ أن الغسل بعد الرواح ، كما قال تعالى : { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } ومع الرواح كما قال تعالى : { إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } أو قبل الرواح كما قال تعالى : { إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } فلما كان كل ذلك ممكنا ، ولم يكن في هذا اللفظ نص ولا دليل على وجوب اتصال الغسل بالرواح أصلا صح قولنا ، والحمد لله رب العالمين .

وأيضا فإننا إذا حققنا مقتضى ألفاظ حديث ابن عمر كان ذلك دالا على قولنا [ ص: 269 ] لأنه إنما فيها { إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل } { أو أراد أحدكم أن يأتي إلى الجمعة فليغتسل } . { من جاء منكم الجمعة فليغتسل } وهذه ألفاظ ليس يفهم منها إلا أن من كان من أهل الرواح إلى الجمعة ، وممن يجيء إلى الجمعة ، ومن أهل الإرادة للإتيان إلى الجمعة فعليه الغسل ، ولا مزيد ، وليس في شيء منها وقت الغسل ، فصارت ألفاظ خبر ابن عمر موافقة لقولنا . وعهدنا بخصومنا يقولون : إن من روى حديثا فهو أعرف بتأويله ، وهذا ابن عمر راوي هذا الخبر قد روينا عنه أنه كان يغتسل يوم الجمعة إثر طلوع الفجر من يومها . وقال مالك والأوزاعي : لا يجزئ غسل يوم الجمعة إلا متصلا بالرواح ، إلا أن الأوزاعي قال : إن اغتسل قبل الفجر ونهض إلى الجمعة أجزأه . وقال مالك : إن بال أو أحدث بعد الغسل لم ينتقض غسله ويتوضأ فقط ، فإن أكل أو نام انتقض غسله . قال أبو محمد : وهذا عجب جدا .

وقال أبو حنيفة والليث وسفيان وعبد العزيز بن أبي سلمة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود كقولنا ، وقال طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير : من اغتسل للجمعة ثم أحدث فيستحب أن يعيد غسله .

قال علي : ما نعلم مثل قول مالك عن أحد من الصحابة التابعين ، ولا له حجة من قرآن ولا سنة ولا قياس ولا قول صاحب ، وكثيرا ما يقولون في مثل هذا بتشنيع خلاف قول الصاحب الذي لا يعرف له من الصحابة مخالف ، وهذا مكان خالفوا فيه ابن عمر ، وما يعلم له من الصحابة في ذلك مخالف .

فإن قالوا : من قال قبلكم إن الغسل لليوم ؟ قلنا : كل من ذكرنا عنه في ذلك قولا من الصحابة رضي الله عنهم ، فهو ظاهر قولهم ، وهو قول أبي يوسف نصا وغيره ، وأعجب شيء أن يكونوا مبيحين للغسل يوم الجمعة في كل وقت ، ومبيحين لتركه في اليوم كله ، ثم ينكرون على من قال بالغسل في وقت هم يبيحونه فيه . وبالله تعالى التوفيق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث