الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وعن مكحول في راكب البحر إذا هال البحر .

وروي خلاف ذلك عن بعض السلف - : كما روينا من طريق حماد بن سلمة أنا يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين : أن امرأة رأت في منامها فيما يرى النائم : أنها تموت إلى ثلاثة أيام فأقبلت على ما بقي عليها من القرآن فتعلمته ، وشذبت مالها وهي صحيحة ، فلما كان اليوم الثالث دخلت على جاراتها فجعلت تقول : يا فلانة استودعتك الله وأقرأ عليك السلام فجعلن يقلن لها : لا تموتين اليوم ، لا تموتين إن شاء الله فماتت فسأل زوجها أبا موسى الأشعري ؟ فقال له أبو موسى : أي امرأة كانت امرأتك ؟ قال : ما أعلم أحدا أحرى أن يدخل الجنة منها إلا الشهيد ، ولكنها فعلت ما فعلت وهي صحيحة فقال أبو موسى : هي كما تقول فعلت ما فعلت وهي صحيحة ؟ فلم يرده أبو موسى .

ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني ، وعبيد الله بن عمير عن نافع ، ويحيى بن سعيد الأنصاري : أن رجلا رأى فيما يرى النائم : أنه يموت إلى ثلاثة أيام ، فطلق نساءه تطليقة تطليقة ، وقسم ماله فقال له عمر بن الخطاب : أجاءك الشيطان في منامك فأخبرك أنك تموت إلى ثلاثة أيام ، فطلقت نساءك وقسمت مالك رده ولو مت لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال ؟ فرد ماله ونساءه ، وقال له عمر : ما أراك تلبث إلا يسيرا ؟ قال : فمات في اليوم الثالث

ومن طريق ابن أبي شيبة نا علي بن مسهر نا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق : أنه سئل عمن أعتق عبدا لله في مرضه ليس له مال غيره ؟ قال مسروق : أجيزه ، شيء جعله الله تعالى ، لا أرده ، وقال شريح : أجيز ثلثه واستسعيه في ثلثيه ، قال الشعبي : قول مسروق أحب إلي في الفتيا ، وقول شريح أحب إلي في القضاء .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال : كتب عمر بن عبد العزيز في الرجل يتصدق بماله كله قال إذا وضعه في حق فلا أحد أحق بماله منه ، وإذا أعطى الورثة بعضهم دون بعض فليس له إلا الثلث .

ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة [ ص: 409 ] طعن إبراهيم النخعي قال : إذا أبرأت المرأة زوجها في مرضها من صداقها فهو جائز ، وقال سفيان : لا يجوز .

قال أبو محمد : فهذا أبو موسى الأشعري يجيز فعل من أيقن بالموت وهو في أشد حال من المريض - هي أيضا ذات زوج غير راض بما فعلت في مالها كله .

وهذا عمر بن الخطاب رد فعل من أيقن بالموت ولم يجز مثله لا ثلثا ولا غيره - وهذا مسروق بأصح طريق ينفذ ما فعله المريض في ماله كله متقربا إلى الله عز وجل ، ومال إليه الشعبي في الفتيا .

وعن إبراهيم جواز فعل المريض من رأس ماله .

وأما المتأخرون - : فإن أبا حنيفة قال : ليس للمريض أن يقضي غرماءه بعضهم دون بعض - وأما محاباته في البيع ، وهبته ، وصدقته ، وعتقه - كل ذلك من الثلث إلا أن المعتق يستسعى في ثلثي قيمته إن لم يحمله الثلث ، قال : فإن أفاق من مرضه : جاز ذلك كله من رأس ماله قال : وكذلك الحامل إذا ضربها وجع الطلق وما لم يضربها : فكالصحيح في جميع مالها ، والواقف في الصف فكالصحيح في جميع ماله قتل أو عاش ، قال : والذي يقدم للقتل في قصاص أو رجم في زنى كالمريض لا يجوز فعله إلا في الثلث - قال : فإن اشترى ابنه وهو مريض ؟ فإن خرج من ثلثه عتق وورثه ، وإن لم يخرج من ثلثه لم يرثه .

وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن : بل يرثه إلا أنه يسعى فيما يقع من قيمته للورثة فيأخذونه .

وقالوا كلهم : إنما ذلك في المرض المخيف ، كحمى الصالب ، والبرسام ، والبطن ، ونحو ذلك - وأما الجذام ، وحمى الربع ، والسل ، ومن يذهب ويجيء في مرضه فأفعاله كالصحيح .

وقال مالك : ليس للمريض أن يقضي بعض غرمائه دون بعض .

قالوا : والحامل ما لم تتم ستة أشهر فكالصحيح ، فإذا أتمتها ، فأفعالها في مالها من الثلث - وهو قول الليث .

قال : والمريض ، والزاحف في القتال - صدقتهما ، ومحاباتهما في البيع [ ص: 410 ] وهبتهما ، وعتقهما في الثلث - وقال فيمن اشترى ابنه في مرضه وفي صفة المرض كقول أبي حنيفة سواء سواء .

وقال الشافعي ، وسفيان الثوري : للمريض أن يقضي غرماءه بعضهم دون بعض .

وقالا جميعا في الحامل كقول أبي حنيفة - وهو قول الأوزاعي . وقال الشافعي ، والثوري ، والأوزاعي في أفعال المريض كقول أبي حنيفة ، ومالك ، وكذلك في صفة المريض .

وقال في الأسير يقدم للقتل ، والمقتحم في القتال ، ومن كان في أيدي قوم يقتلون الأسرى مرة أنهم كالمريض ، ومرة أخرى أنهم كالصحيح ، إذ قد يسلمون من القتل .

وقال الحسن بن حي ، والثوري : إذا التقى الصفان فأفعالهم كالمريض

وقال عبيد الله بن الحسن ، وأحمد ، وإسحاق : أفعال المريض في ماله من الثلث .

وقال أبو سليمان : أفعال المريض كلها من رأس ماله كالصحيح ، وكذلك الحامل ، وكل من ذكرنا - حاش عتق المريض وحده - فهو من الثلث أفاق أو مات .

قال أبو محمد : أما قول أبي حنيفة ، ومالك : فيمن يشتري ابنه في مرضه فقول لا نعلمه لأحد من أهل الإسلام قبلهما ، بل قد قال علي بن أبي طالب : إنه يشترى من مال أبيه بعد الموت ، ويرث كسائر الورثة - وإن في قولهما هذا لأعجوبة ، لأنه لا يخلو شراؤه لابنه من أن يكون وصية أو لا يكون وصية ، فإن كان وصية فلا يجب أن يرث أصلا حمله الثلث أو لم يحمله ; لأنها وصية لوارث ، وإن كان ليس وصية فينبغي أن يرث كسائر الورثة ولا فرق ، وإن قولهما هاهنا لفي غاية الفساد ومخالفة النصوص .

وأما قول مالك ، والليث - في الحامل فقول أيضا لا نعلمه عن أحد قبلهما وأطرف شيء احتجاج بعضهم لهذا القول بقول الله تعالى : { حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت } .

فقلنا : يا هؤلاء ، ومن لكم بأن الإثقال هو ستة أشهر .

ثم هبكم أنه إثقال ، لا ما قبله ، فكان ماذا ؟ ومن أين وجب منعها من التصرف في جميع مالها إذا أثقلت ؟ [ ص: 411 ] وكذلك قولهم في التفريق بين الأمراض ، فإنه لا يعرف عن صاحب ولا تابع أصلا ، ولا في شيء من النصوص ، فحصل قولهم لا حجة له أصلا لا من قرآن ، ولا من سنة ، ولا رواية سقيمة ، ولا قول صاحب ، ولا قياس ، ولا نظر ، ولو أن امرأ ادعى عليهم خلاف إجماع كل من تقدم في هذه الأقوال لكان أقرب إلى الصدق من دعواهم خلاف الإجماع فيما قد صح فيه الخلاف ، كما أوردنا عن مسروق ، والشعبي وغيرهما

وما نعلم لهم حجة أصلا ، إلا أنهم قالوا : نقيس ذلك على الوصية .

فقلنا : القياس كله باطل ، ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل ; لأن الوصية من الصحيح ، والمريض سواء : لا تجوز إلا في الثلث ، فيلزم أن يكون غير الوصية أيضا من الصحيح والمريض سواء ، فهذا قياس أصح من قياسهم .

وقالوا : نتهمه بالفرار بماله عن الورثة .

فقلنا : الظن أكذب الحديث ، ولعله يموت الوارث قبله فيرثه المريض فهذا ممكن - وأيضا : فإذ ليس إلا التهمة فامنعوا الصحيح أيضا من أكثر ثلث ماله ، واتهموه أيضا أنه يفر بماله عن ورثته ، فجائز أن يموت ويرثوه كما يجوز ذلك في المريض ، وجائز أن يموت الوارث فيرثه المريض كما يرثه الصحيح ولا فرق ، وكم من صحيح يموت قبل مريض .

وأيضا : فاتهموا الشيخ الذي قد جاوز التسعين وامنعوه أكثر من ثلثه لئلا يفر بماله عن ورثته .

فإن قلتم : قد يعيش أعواما ؟ قلنا : وقد يبرأ المريض فيعيش عشرات أعوام ، وإذ ليس إلا التهمة ، فلا تتهموا من يرثه ولده فاجعلوا فعله من رأس ماله ، واتهموا من يرثه عصبته فلا تطلقوا له الثلث .

فإن قالوا : هذا خلاف النص ؟ قلنا : وفعلكم خلاف النص في التقرب إلى الله تعالى بما يحبه المرء من ماله ، قال تعالى : { وأنفقوا مما رزقناكم } وقال تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } .

والمريض أحوج ما كان إلى ذلك . [ ص: 412 ] { وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة ؟ فقال : جهد المقل } . فإن قالوا : قد { سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة ؟ فقال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى لا أن تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، ألا وقد كان لفلان ؟ } .

قلنا : نعم ، هذا حق صحيح ، وإنما فيه تفاضل الصدقة فقط ، وليس فيه منع من مرض ، وأيقن بالموت من أكثر من ثلث ماله أصلا ، لا بنص ، ولا بدليل ، ولا بوجه من الوجوه .

قال أبو محمد : ثم نسألهم عن مال المريض لمن أله أم للورثة ؟ فإن قالوا : بل له كما هو للصحيح .

قلنا : فلم تمنعونه ماله دون أن تمنعوا الصحيح ، وهذا ظلم ظاهر .

ولو قالوا : بل هو للورثة . لقالوا الباطل ; لأن الوارث لو أخذ منه شيئا لقضي عليه برده ، ولو وطئ أمة المريض لحد ، ولو كان ذلك لما حل للمريض أن يأكل منه هو ومن تلزمه نفقته من غير الورثة .

ولا ندري من أين أطلقوا للمريض أن يأكل من ماله ما شاء ، ويلبس ما شاء ; وينفق على من إليه من عبيد وإماء .

وإن أتى على جميع المال ، ومنعوه من الصدقة بأكثر من الثلث .

إن هذا لعجب لا نظير له ؟ فظهر فساد هذا القول جملة وتعريه عن أن يوجد عن أحد من الصحابة ، وإنما وجد عن نفر يسير من التابعين مختلفين ، وقد خالفوا بعضهم في قوله في ذلك ، كخلافهم للشعبي في فعل المسافر في ماله وغير [ ص: 413 ] ذلك ، على أن الشعبي أقوى حجة منهم ، لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم { السفر قطعة من العذاب } .

وروي أيضا { المسافر ورحله على قلت إلا ما وقى الله } .

وبالله تعالى التوفيق .

قال أبو محمد : ووجدناهم يشنعون بآثار لا حجة لهم في شيء منها يجب التنبيه عليها بحول الله تعالى - : منها - الأثر الذي قد ذكرناه قبل هذا بأوراق في باب تبدئة ديون الله تعالى من رأس المال وهو مرسل من طريق قتادة { لا أعرفن أحدا بخل بحق الله حتى إذا حضره الموت أخذ يدغدغ ماله هاهنا وها هنا } ثم لو صح لم يكن فيه حجة في المنع من التصرف بالحق في المال .

ومنها : ما حدثناه حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا يزيد بن محمد العقيلي نا حفص بن عمر بن ميمون عن ثور بن يزيد عن مكحول عن الصنابحي عن أبي بكر الصديق " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم رحمة لكم وزيادة في أعمالكم وحسناتكم } . نا محمد بن سعيد بن نبات نا عبد الله بن نصر نا قاسم بن أصبغ نا ابن وضاح نا موسى بن معاوية نا وكيع عن طلحة بن عمرو المكي عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله تصدق عليكم بالثلث من أموالكم } . [ ص: 414 ] ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج سمعت سليمان بن موسى يقول : سمعت " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { جعلت لكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم } .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة " { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الله تعالى : جعلت لك طائفة من مالك عند موتك أرحمك به } " . قال أبو محمد : وهذا كله لا متعلق لهم بشيء منه أصلا - : أما خبر أبي بكر : فمن طريق حفص بن عمر الشامي وهو متروك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث