الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رفع اليدين حذو المنكبين للركوع وللرفع منه

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ويستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في التكبير ، لما ذكرناه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في تكبيرة الإحرام ) .

التالي السابق


( الشرح ) البخاري ومسلم ، ويستحب رفع اليدين حذو المنكبين للركوع وللرفع منه ، وفي تكبيرة الإحرام لكل مصل من قائم وقاعد ومضطجع وامرأة وصبي ومفترض ومتنفل ، نص عليه في الأم ، واتفق عليه الأصحاب ، ويكون ابتداء رفعه وهو قائم مع ابتداء التكبير ، وقد سبق في فصل تكبيرة الإحرام عن البغوي : أنه يستحب تفريج الأصابع هنا وفي كل رفع ، ولو كانت سبق في رفع تكبيرة الإحرام ، وجميع الفروع تجيء هنا .

( فرع ) في مذاهب العلماء في رفع اليدين للركوع وللرفع منه .

( اعلم ) أن هذه مسألة مهمة جدا ، فإن كل مسلم يحتاج إليها في كل يوم مرات متكاثرات لا سيما طالب الآخرة ، ومكثر الصلاة ، ولهذا اعتنى العلماء بها أشد اعتناء ، حتى صنف الإمام أبو عبد الله البخاري كتابا كبيرا في إثبات الرفع في هذين الموضعين والإنكار الشديد على من خالف ذلك ، فهو كتاب نفيس ، هو سماعي ولله الحمد ، فسأنقل هنا إن شاء الله تعالى منه معظم مهمات مقاصده ، وجمع فيه الإمام البيهقي أيضا جملة حسنة ، وسأنقل من كتابه هنا إن شاء الله تعالى مهمات مقاصده ، ولولا خوف الإطالة لأريتك فيه عجائب من النفائس ، وأرجو أن أجمع فيه كتابا مستقلا .

( اعلم ) أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام بإجماع من يعتد به ، [ ص: 368 ] وفيه شيء ذكرناه في موضعه ، وأما رفعهما في تكبيرة الركوع وفي الرفع منه فمذهبنا أنه سنة فيهما ، وبه قال أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، حكاه الترمذي عن ابن عمر وابن عباس وجابر وأنس وابن الزبير وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وعن جماعة من التابعين منهم طاوس وعطاء ومجاهد والحسن وسالم بن عبد الله وسعيد بن جبير ونافع وغيرهم .

وعن ابن المبارك وأحمد وإسحاق وحكاه ابن المنذر عن أكثر هؤلاء ، ، وعن أبي سعيد الخدري والليث بن سعد وأبي ثور ، قال : ونقله الحسن البصري عن الصحابة رضي الله عنهم قال : وقال الأوزاعي : أجمع عليه علماء الحجاز والشام والبصرة ، وحكاه ابن وهب عن مالك قال ابن المنذر : وبه قال الإمام أبو عبد الله البخاري ، يروى هذا الرفع عن سبعة عشر نفسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة الأنصاري وأبو أسيد الساعدي البدري ، ومحمد بن مسلمة البدري وسهل بن سعد وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأبو موسى الأشعري وأبو حميد الساعدي رضي الله عنهم ، قال : وقال الحسن وحميد بن هلال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم فلم يستثن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

قال البخاري : ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه قال : وروينا الرفع أيضا هنا عن عدة من علماء أهل مكة وأهل الحجاز وأهل العراق والشام والبصرة واليمن وعدة من أهل خراسان منهم سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز والنعمان بن أبي عياش والحسن وابن سيرين وطاووس ومكحول وعبد الله بن دينار ونافع وعبيد الله بن عمر والحسن بن مسلم وقيس بن سعيد وعدة كثيرة ، وكذلك روي عن أم الدرداء : رضي الله عنها أنها كانت ترفع يديها ، وكان ابن المبارك يرفع يديه ، وكذلك عامة أصحابه ومحدثي أهل بخارى ، منهم عيسى بن موسى وكعب بن سعيد ومحمد بن سلام وعبد الله بن محمد المشيدي وعدة ممن لا يحصى ، لا اختلاف بين من [ ص: 369 ] وصفنا من أهل العلم ، وكان عبد الله بن الزبير - يعني الحميدي شيخه - وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم يثبتون عامة هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرونها حقا ، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم .

هذا كلام البخاري ونقله ، ورواه البيهقي عن هؤلاء الصحابة المذكورين ، قال : وروينا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن جابر البياضي الصحابيين رضي الله تعالى عنهم ، ثم رواه عن هؤلاء التابعين الذين ذكرهم البخاري ، قال : وروينا أيضا عن أبي قلابة وأبي الزبير ومالك والأوزاعي والليث وابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المبارك ويحيى بن يحيى وعدة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان ، فهؤلاء هم أئمة الإسلام شرقا وغربا في كل عصر .

وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وسائر أصحاب الرأي : لا يرفع يديه في الصلاة إلا لتكبيرة الإحرام ، ، وهي رواية عن مالك ، واحتج لهم بحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يعود } ، رواه أبو داود وقال : ليس بصحيح . وعن { ابن مسعود رضي الله عنه قال : لأصلين بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرفع يديه إلا مرة } رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : { صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة } رواه الدارقطني والبيهقي . وعن علي رضي الله عنه أنه " كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة ، ثم لا يرفع في شيء منها " رواه البيهقي .

وعن علي رضي الله عنه أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : [ ص: 370 ] صلى الله عليه وسلم { مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة } رواه مسلم في صحيحه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن من افتتاح الصلاة وفي استقبال القبلة ، وعلى الصفا والمروة وبعرفات ، وجمع في المقامين ، وعند الجسرتين " .

واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك } رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من طرق كثيرة . وعن أبي قلابة : أنه { رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ثم رفع يديه ، فإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ، وحدث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل هكذا } وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه { عن النبي : صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ، ورفع يديه حذو منكبيه ، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ، ويصنعه إذا رفع من الركوع ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد ، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر } .

رواه أبو داود بهذا اللفظ والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وقوله ( وإذا قام من السجدتين ) يعني به الركعتين ، والمراد : إذا قام من التشهد الأول ، كذا فسره الترمذي وبه وهو ظاهر .

وعن وائل بن حجر رضي الله عنه { أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر ، ووصف همام وهو أحد الرواة : حيال أذنيه ، ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعهما ثم كبر فركع ، فلما قال : سمع الله لمن حمده رفع يديه ، فلما سجد سجد بين كفيه } رواه مسلم في صحيحه ، وعن محمد بن عمرو بن عطاء أنه سمع أبا حميد في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم : أبو قتادة يقول : { أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : فاعرض ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 371 ] إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ثم قال : الله أكبر وركع ثم اعتدل فاعتدل ، فلم يصوب رأسه ولم يقنع ووضع يديه على ركبتيه ثم قال : سمع الله لمن حمده ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ، وذكر الحديث إلى أن قال : ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك ، حتى قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة } رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، قال : وقوله " قام من السجدتين يعني الركعتين ، وفي رواية لأبي داود والترمذي أيضا قالوا في آخره : " صدقت هكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري في كتاب رفع اليدين من طرق ، وعن أنس رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند الركوع } رواه البخاري في كتاب رفع اليدين . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواه البخاري في رفع اليدين ، والأحاديث الصحيحة في الباب كثيرة غير منحصرة ، وفيما ذكرناه كفاية .

قال القاضي أبو الطيب قال أبو علي : روى الرفع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون من الصحابة رضي الله عنهم . وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث البراء رضي الله عنه فمن أوجه :

( أحدها ) : وهو جواب أئمة الحديث وحفاظهم أنه حديث ضعيف باتفاقهم ، ممن نص على تضعيفه سفيان بن عيينة والشافعي وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي والبخاري وغيرهم من المتقدمين ، وهؤلاء أركان الحديث وأئمة الإسلام فيه ، وأما الحفاظ والمتأخرون الذين ضعفوا فأكثروا من [ نقد ] الخبر : وسبب تضعيفه أنه من رواية سفيان بن عيينة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء رضي الله عنه ، واتفق هؤلاء الأئمة المذكورون وغيرهم على أن يزيد بن أبي زياد غلط فيه ، وأنه رواه أولا " إذا افتتح الصلاة رفع يديه " قال سفيان : فقدمت الكوفة فسمعته يحدث به ويزيد فيه ثم لا يعود ، فظننت أنهم لقنوه ، قال سفيان : وقال لي أصحابنا : إن حفظه قد تغير أو قد أساء ، [ ص: 372 ] قال الشافعي : ذهب سفيان إلى تغليط يزيد بن أبي زياد في هذا الحديث . وقال الحميدي : هذا الحديث رواه يزيد ، ويزيد يزيد .

وقال أبو سعيد الدارمي : سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال : لا يصح وسمعت يحيى بن معين يضعف يزيد بن أبي زياد قال الدارمي : ومما يحقق قول سفيان أنهم لقنوه هذه اللفظة أن سفيان الثوري وزهير بن معاوية وهشاما وغيرهم من أهل العلم لم ينكروها إنما جاء بها من سمع منه بأخرة . قال البيهقي : ومما يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء أبو عبد الله ، وذكر إسناده إلى سفيان بن عيينة . قال : حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء رضي الله عنه قال : " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه ، وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع " قال سفيان : فلما قدمت الكوفة سمعته يقول : " يرفع يديه إذا استفتح الصلاة ثم لا يعود " فظننت أنهم لقنوه . قال البيهقي : وروى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء قال فيه : " ثم لا يعود " ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يحتج بحديثه ، وهو أسوأ حالا عند أهل المعرفة بالحديث من يزيد بن أبي زياد . ثم روى البيهقي بإسناد عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه ذكر فصلا في تضعيف حديث يزيد بن أبي زياد هذا ، قال : ولم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أقوى من يزيد ، وذكر البخاري في تضعيفه نحو ما سبق .

( والجواب الثاني ) : ذكر أصحابنا قالوا : لو صح وجب تأويله على أن معناه لا يعود إلى الرفع في ابتداء استفتاحه ولا في أوائل باقي ركعات الصلاة الواحدة ، ويتعين تأويله جمعا بين الأحاديث .

( الجواب الثالث ) : أن أحاديث الرفع أولى ; لأنها إثبات وهذا نفي فيقدم الإثبات لزيادة العلم . [ ص: 373 ] الرابع ) : أن أحاديث الرفع أكثر فوجب تقديمها ، وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فجوابه من هذه الأوجه الأربعة ، فأما الأوجه الثلاثة الأخيرة فظاهرة ، وأما تضعيفه فقد روى البيهقي بإسناده عن ابن المبارك أنه قال : لم يثبت عندي حديث ابن مسعود ، وروى البخاري في كتاب رفع اليدين تضعيفه عن أحمد بن حنبل وعن يحيى بن آدم ، وتابعهما البخاري على تضعيفه ، وضعفه من المتأخرين الدارقطني والبيهقي وغيرهما .

وأما حديث علي رضي الله عنه فجوابه من أوجه أيضا :

( أحدها ) : تضعيفه ، ممن ضعفه البخاري ثم روى البخاري تضعيفه عن سفيان الثوري . وروى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال : روي هذا الحديث عن علي من هذا الطريق الواهي .

وقد ثبت عن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليد في الركوع والرفع منه والقيام من الركعتين كما سبق ، فكيف يظن به أنه يختار لنفسه خلاف ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ؟ قال البيهقي : قال الزعفران : قال الشافعي ولا يثبت عن علي وابن مسعود يعني ما روي عنهما أنهما كانا لا يرفعان أيديهما في غير تكبيرة الافتتاح . قال الشافعي : ولو كان ثابتا عنهما لأشبه أن يكون رآهما الراوي مرة أغفلا ذلك ، قال : ولو قال قائل : ذهب عنهما حفظ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه ابن عمر لكانت له الحجة .

وأما حديث جابر بن سمرة فاحتجاجهم به من أعجب الأشياء وأقبح أنواع الجهالة بالسنة ; لأن الحديث لم يرد في رفع الأيدي في الركوع والرفع منه ، ولكنهم كانوا يرفعون أيديهم في حالة السلام من الصلاة ، ويشيرون بها إلى الجانبين يريدون بذلك السلام على من عن الجانبين ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث ومن له أدنى اختلاط بأهل الحديث ، ويبينه أن مسلم بن الحجاج رواه في صحيحه من طريقين ( أحدهما ) : الطريق السابق ( والثاني ) : عن جابر بن سمرة قال : { كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بيده إلى الجانبين فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذيه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله } ، هذا لفظه بحروفه في صحيح مسلم ، وكذا رواه غير مسلم من أصحاب السنن وغيرهم ، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن [ ص: 374 ] جابر بن سمرة قال : { صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا : السلام عليكم السلام عليكم . فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ، ولا يومئ بيده } ، هذا لفظ صحيح مسلم .

قال البخاري : وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث جابر بن سمرة فإنما كان في الرفع عند السلام لا في القيام قال : ولا يحتج بمثل هذا من له حظ من العلم ; لأنه معروف مشهور لا اختلاف فيه ، ولو كان كما توهمه هذا المحتج لكان رفع الأيدي في الافتتاح وفي تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه ; لأنه لم يبين رفعا ، وقد بينه حديث أبي نعيم ثم ذكر بإسناده رواية مسلم التي نقلتها الآن ، ثم قال البخاري : فليحذر امرؤ أن يتأول أو يتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، قال الله عز وجل { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم }

وأما قوله عن ابن عباس : " لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن " فجوابه من أوجه :

( أحدها ) : أنه ضعيف مرسل ، وهذا جواب البخاري ، وقد بين ذلك وأوضحه .

( الثاني ) : أن هذا نفي وغيره إثبات وهو مقدم .

( الثالث ) : أنه لو ثبت عنه لم يجز لأحد ترك السنن ، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم به ، ويؤيد هذا أن الرفع ثابت في مواطن كثيرة غير هذه السبعة قد بينها البخاري بأسانيده ، وسأفرع بها بفرع مستقل في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى ، فهذا تنقيح ما يتعلق بالمسألة ودلائلها من الجانبين ، وأختمها بما ختم به البيهقي رحمه الله تعالى ، فإنه روى عن الإمام أبي بكر بن إسحاق الفقيه قال : قد صح رفع اليدين يعني في هذه المواضع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن الخلفاء الراشدين ثم عن الصحابة والتابعين ، وليس في نسيان عبد الله بن مسعود رفع اليدين ما يوجب أن هؤلاء الصحابة لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه ، وقد نسي ابن مسعود كيفية قيام الاثنين خلف الإمام ، ونسي نسخ التطبيق في الركوع ، وغير ذلك ، [ ص: 375 ] فإذا نسي هذا كيف لا ينسى رفع اليدين ؟ ثم روى البيهقي عن الربيع قال : قلت للشافعي : ما معنى رفع اليدين عند الركوع ؟ فقال : مثل معنى رفعهما عند الافتتاح تعظيما لله تعالى وسنة متبعة نرجو فيها ثواب الله تعالى ، ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة وغيرهما .

وروى البيهقي عن سفيان بن عيينة قال : اجتمع الأوزاعي والثوري عشاء فقال الأوزاعي للثوري : لم لا ترفع يديك في خفض الركوع ورفعه ؟ فقال : حدثنا يزيد بن أبي زياد فقال الأوزاعي : أروي لك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم تعارضني بيزيد بن أبي زياد ؟ ويزيد رجل ضعيف ، وحديثه ضعيف مخالف للسنة ، فاحمر وجه الثوري فقال الأوزاعي : كأنك كرهت ما قلت ؟ قال : نعم فقال الأوزاعي : قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق ، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد ، وروى البخاري في كتاب رفع اليدين بإسناده الصحيح عن نافع : " أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى " وروى البخاري عن أم الدرداء : رضي الله عنها " أنها كانت ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها وحين تفتتح الصلاة وحين تركع ، وإذا قالت : سمع الله لمن حمده رفعت يديها وقالت : ربنا ولك الحمد قال البخاري : ونساء بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعلم من هؤلاء وبإسناده الصحيح عن سعيد بن جبير أنه قال : " رفع اليدين في الصلاة شيء تزيد به صلاتك " .

قال البخاري : ولم يثبت عند أهل البصرة ممن أدركنا من أهل الحجاز وأهل العراق ، منهم الحميدي ومحمد بن المثنى ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم ، وهؤلاء أهل العلم من أبناء أهل زمانهم لم يثبت عند أحد منهم علمه في ترك رفع الأيدي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه قال : وكان ابن المبارك يرفع يديه ، وهو أكثر أهل زمانه علما فيما يعرف ، فلو لم يكن عند من لم يعلم عن السلف علم فاقتدى بابن المبارك فيما اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ، لكان أولى به من أن يقتدي بقول من لا يعلم .

[ ص: 376 ] وقال معمر : قال ابن المبارك صليت إلى جنب النعمان فرفعت يدي فقال : ما حسبت أن تطير ، قلت : إن لم أطر في الأولى لم أطر في الثانية ، ثم روى البخاري رفع الأيدي في هذه المواضع عن أعلام أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم ثم قال : فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي . ثم رواه عن جماعات آخرين ، ثم قال : فمن زعم أن رفع اليدين بدعة فقد طعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ومن بعدهما ، وأهل الحجاز وأهل المدينة وأهل مكة وعدة من أهل العراق وأهل الشام واليمن وعلماء خراسان ، منهم ابن المبارك حتى شيوخنا ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ترك الرفع ، وليس أسانيده أصح من أسانيد الرفع .

قال البخاري : وأما رواية الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم الرفع عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه ، ورواية الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع في هذه المواضع وفي القيام من الركعتين فالجميع صحيح ; لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة ، واختلفوا فيها بعينها مع أنه لا اختلاف في ذلك ، وإنما زاد بعضهم على بعض ، والزيادة مقبولة من أهل العلم ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث