الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


عن الحسين بن إسماعيل ، عن أبيه ، قال : كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمسمائة يكتبون ، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت .

ابن بطة : سمع النجاد ، يقول : سمعت أبا بكر بن المطوعي يقول : اختلفت إلى أبي عبد الله ، ثنتي عشرة سنة ، وهو يقرأ " المسند " على أولاده ، فما كتبت عنه حديثا واحدا ، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه .

قال حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي : يقال : لم يكن أحد من الصحابة أشبه هديا وسمتا ودلا من ابن مسعود بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أشبه [ ص: 317 ] الناس به علقمة ، وكان أشبه الناس بعلقمة إبراهيم ، وكان أشبههم بإبراهيم منصور بن المعتمر ، وأشبه الناس به سفيان الثوري ، وأشبه الناس به وكيع ، وأشبه الناس بوكيع فيما قاله محمد بن يونس الجمال أحمد بن حنبل .

عبد الله بن محمد الوراق : كنت في مجلس أحمد بن حنبل ، فقال : من أين أقبلتم ؟ قلنا : من مجلس أبي كريب ، فقال : اكتبوا عنه ; فإنه شيخ صالح ، فقلنا : إنه يطعن عليك . قال : فأي شيء حيلتي ، شيخ صالح قد بلي بي .

قال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي سئل : لم لم تسمع من إبراهيم بن سعد كثيرا ، وقد نزل في جوارك بدار عمارة ؟ فقال : حضرنا مجلسه مرة فحدثنا . فلما كان المجلس الثاني ، رأى شبابا تقدموا بين يدي الشيوخ ، فغضب ، وقال : والله لا حدثت سنة . فمات ولم يحدث .

الخلال : أخبرني محمد بن الحسين ، أخبرنا المروذي ، قال : قال جارنا فلان : دخلت على إسحاق بن إبراهيم الأمير ، وفلان وفلان ، ذكر سلاطين ، ما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل ، صرت إليه أكلمه في شيء ، فوقعت علي الرعدة من هيبته . ثم قال المروذي : ولقد طرقه الكلبي - صاحب خبر السر - ليلا . فمن هيبته لم يقرعوا ، ودقوا باب عمه .

وعن الميموني ، قال : ما رأيت أنقى ثوبا ، ولا أشد بياضا من أحمد .

ابن المنادي ، عن جده أبي جعفر ، قال : كان أحمد من أحيى الناس ، وأكرمهم ، وأحسنهم عشرة . وأدبا ، كثير الإطراق ، لا يسمع منه [ ص: 318 ] إلا المذاكرة للحديث ، وذكر الصالحين في وقار وسكون ، ولفظ حسن . وإذا لقيه إنسان ، بش به ، وأقبل عليه . وكان يتواضع للشيوخ شديدا ، وكانوا يعظمونه ، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لم أره يعمل بغيره من التواضع والتكريم والتبجيل . كان يحيى أكبر منه بسبع سنين .

الخطبي حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : كان أبي إذا أتى ، البيت من المسجد ، ضرب برجله حتى يسمعوا صوت نعله ، وربما تنحنح ليعلموا به .

الخلال : حدثنا محمد بن علي ، حدثنا مهنى ، قال : رأيت أبا عبد الله مرات يقبل وجهه ورأسه ، ولا يقول شيئا ولا يمتنع ، ورأيت سليمان بن داود الهاشمي يقبل رأسه وجبهته ، لا يمتنع من ذلك ولا يكرهه .

وقال عبدوس العطار : وجهت بابني مع الجارية يسلم على أبي عبد الله ، فرحب به وأجلسه في حجره ، وساءله ، واتخذ له خبيصا ، وقال للجارية : كلي معه ، وجعل يبسطه .

وقال الميموني : كان أبو عبد الله حسن الخلق ، دائم البشر ، يحتمل الأذى من الجار .

علوان بن الحسين : سمعت عبد الله بن أحمد ، قال : سئل أبي : لم لا تصحب الناس ؟ قال : لوحشة الفراق . [ ص: 319 ] ابن بطة : حدثنا محمد بن أيوب ، حدثنا إبراهيم الحربي ، سمعت أحمد بن حنبل ، يقول لأحمد الوكيعي : يا أبا عبد الرحمن : إني لأحبك ، حدثنا يحيى ، عن ثور ، عن حبيب بن عبيد ، عن المقدام ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه .

ابن بطة : حدثنا جعفر بن محمد القافلاني ، حدثنا إسحاق بن هانئ ، قال : كنا عند أحمد بن حنبل في منزله ، ومعه المروذي ، ومهنى ، فدق داق الباب ، وقال : المروذي هاهنا ؟ فكأن المروذي كره أن يعلم موضعه ، فوضع مهنى أصبعه في راحته ، وقال : ليس المروذي هاهنا ، وما يصنع المروذي هاهنا ؟ فضحك أحمد ، ولم ينكر .

في معيشته :

قال ابن الجوزي : خلف له أبوه طرزا ودارا يسكنها ، فكان يكري تلك الطرز ، ويتعفف بها .

قال ابن المنادي : حدثنا جدي ، قال لي أحمد بن حنبل : أنا أذرع هذه الدار ، وأخرج الزكاة عنها في كل سنة . أذهب إلى قول عمر في أرض السواد . [ ص: 320 ]

قال المروذي : سمعت أبا عبد الله ، يقول : الغلة ما يكون قوتنا ، وإنما أذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئا . فقلت له : قال رجل : لو ترك أبو عبد الله الغلة ، وكان يصنع له صديق له ، كان أعجب إلي . فقال : هذه طعمة سوء . ومن تعود هذا ، لم يصبر عنه . ثم قال : هذا أعجب إلي من غيره ، يعني : الغلة . وأنت تعلم أنها لا تقيمنا ، وإنما أخذها على الاضطرار .

قال ابن الجوزي : ربما احتاج أحمد ، فخرج إلى اللقاط .

قال الخلال : حدثني محمد بن الحسين ، حدثنا المروذي ، قال : حدثني أبو جعفر الطرسوسي ، قال : حدثني الذي نزل عليه أبو عبد الله ، قال : لما نزل علي ، خرج إلى اللقاط . فجاء وقد لقط شيئا يسيرا . فقلت له : قد أكلت أكثر مما لقطت ، فقال : رأيت أمرا استحييت منه ، رأيتهم يلتقطون ، فيقوم الرجل على أربع ، وكنت أزحف .

أحمد بن محمد بن عبد الخالق : حدثنا المروذي ، قال أبو عبد الله : خرجت إلى الثغر على قدمي ، فالتقطت ، لو قد رأيت قوما يفسدون مزارع الناس ، قال : وكنا نخرج إلى اللقاط .

قلت : وربما نسخ بأجرة ، وربما عمل التكك ، وأجر نفسه لجمال ، رحمة الله عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث