الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وإذا حيل بالموت إلى الوقوع في الماء فأدنى ما يتفسخ فيه الميت ثلاثة أيام ; ولهذا يصلي على قبر ميت لم يصل عليه إلى ثلاثة أيام ، وتوهم الوقوع بعد الموت إحالة بالموت إلى سبب لم يظهر ، وتعطيل للسبب الظاهر وهذا لا يجوز ، فبطل اعتبار الوهم ، والتحق الموت في الماء بالمتحقق ، إلا إذا قام دليل المعاينة بالوقوع في الماء ميتا ، فحينئذ يعرف بالمشاهدة أن الموت غير حاصل بهذا السبب ، ولا كلام فيه .

وأما إذا لم تكن منتفخة ، فلأنا إذا أحلنا بالموت إلى الوقوع في الماء ولا شك أن زمان الموت سابق على زمان الوجود ، خصوصا في الآبار المظلمة العميقة التي لا يعاين ما فيها ، ولذا يعلم يقينا أن الواقع لا يخرج بأول دلو ، فقدر ذلك بيوم وليلة احتياطا ; لأنه أدنى المقادير المعتبرة ، ( والفرق ) بين البئر والثوب على رواية الحاكم أن الثوب شيء ظاهر ، فلو كان ما أصابه سابقا على زمان الوجود لعلم به في ذلك الزمان ، فكان عدم العلم قبل ذلك دليل عدم الإصابة - بخلاف البئر على ما مر - وعلى هذا الخلاف إذا عجن بذلك الماء أنه يؤكل خبزه عندهما .

وعند أبي حنيفة لا يؤكل ، وإذا لم يؤكل ماذا يصنع به ؟ قال مشايخنا : يطعم للكلاب ; لأن ما تنجس باختلاط النجاسة به - والنجاسة معلومة - لا يباح أكله ، ويباح الانتفاع به فيما وراء الأكل ، كالدهن النجس أنه ينتفع به استصباحا إذا كان الطاهر غالبا فكذا هذا وبئر الماء إذا كانت بقرب من البالوعة لا يفسد الماء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، وقدر أبو حفص المسافة بينهما بسبعة أذرع وأبو سليمان بخمسة ، وذا ليس بتقدير لازم ; لتفاوت الأراضي في الصلابة والرخاوة ، ولكنه خرج على الأغلب ; ولهذا قال محمد بعد هذا التقدير : لو كان بينهما سبعة أذرع ولكن يوجد طعمه أو ريحه لا يجوز التوضؤ به ، فدل على أن العبرة بالخلوص ، وعدم الخلوص ، وذلك يعرف بظهور ما ذكر من الآثار وعدمه ، ثم الحيوان إذا مات في المائع القليل فلا يخلو إما إن كان له [ ص: 79 ] دم سائل أو لم يكن ، ولا يخلو إما أن يكون بريا أو مائيا ، ولا يخلو إما إن مات في الماء أو في غير الماء ، فإن لم يكن له دم سائل ، كالذباب والزنبور والعقرب والسمك والجراد ونحوها لا ينجس بالموت ، ولا ينجس ما يموت فيه من المائع ، سواء كان ماء أو غيره من المائعات ، كالخل واللبن والعصير وأشباه ذلك ، وسواء كان بريا أو مائيا كالعقرب المائي ونحوه ، وسواء كان السمك طافيا أو غير طاف .

وقال الشافعي : إن كان شيئا يتولد من المائع كدود الخل ، أو ما يباح أكله بعد الموت كالسمك والجراد لا ينجس قولا واحدا ، وله في الذباب والزنبور قولان ، ( ويحتج ) بظاهر قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } ، ثم خص منه السمك والجراد بالحديث ، والذباب والزنبور بالضرورة .

( ولنا ) ما ذكرنا أن نجاسة الميتة ليست لعين الموت ، فإن الموت موجود في السمك والجراد ولا يوجب التنجيس ، ولكن لما فيها من الدم المسفوح ، ولا دم في هذه الأشياء ، وإن كان له دم سائل فإن كان بريا ينجس بالموت وينجس المائع الذي يموت فيه ، سواء كان ماء أو غيره ، وسواء مات في المائع أو في غيره ، ثم وقع فيه كسائر الحيوانات الدموية ; لأن الدم السائل نجس فينجس ما يجاوره ، إلا الآدمي إذا كان مغسولا ; لأنه طاهر ، ألا يرى أنه تجوز الصلاة عليه وإن كان مائيا كالضفدع المائي والسرطان ونحو ذلك ، فإن مات في الماء لا ينجسه في ظاهر الرواية .

وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه قال : لو أن حية من حيات الماء ماتت في الماء ، إن كانت بحال لو جرحت لم يسل منها الدم لا توجب التنجيس ، وإن كانت لو جرحت لسال منها الدم توجب التنجيس .

وجه ظاهر الرواية ما علل به محمد في كتاب الصلاة فقال : لأن هذا مما يعيش في الماء ، ثم إن بعض المشايخ - وهم مشايخ بلخ - فهموا من تعليل محمد أنه لا يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات فيها ; لأن معدنها الماء ، فلو أوجب موتها فيها التنجيس لوقع الناس في الحرج ، وبعضهم - وهم مشايخ العراق - فهموا من تعليله أنها إذا كانت تعيش في الماء لا يكون لها دم ، إذ الدموي لا يعيش في الماء لمخالفة بين طبيعة الماء وبين طبيعة الدم ، فلم تتنجس في نفسها ; لعدم الدم المسفوح ، فلا توجب تنجيس ما جاورها ضرورة ، وما يرى في بعضها من صورة الدم فليس بدم حقيقة ، ألا ترى أن السمك يحل بغير ذكاة مع أن الذكاة شرعت لإراقة الدم المسفوح ولذا ، إذا شمس دمه يبيض ، ومن طبع الدم أنه إذا شمس اسود ، وإن مات في غير الماء فعلى قياس العلة الأولى يوجب التنجيس ; لأنه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها فيها ، وعلى قياس العلة الثانية لا يوجب التنجيس لانعدام الدم المسفوح فيها .

وروي عن نصير بن يحيى أنه قال : سألت أبا مطيع البلخي ، وأبا معاذ عن الضفدع يموت في العصير فقالا : يصب وسألت أبا عبد الله البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقالا : لا يصب وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه كان يقول : يفسد وذكر الكرخي عن أصحابنا أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء ، وهكذا روى هشام عنهم ، وهذا أشبه بالفقه ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث