الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا

قوله تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17)

عن معاذ - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار .

[ ص: 84 ] قال: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " .

ثم قال: "ألا أدلك على أبواب الخير; الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم تلا: تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ: يعملون " .

ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " .

قلت: بلى يا رسول الله .

قال: " رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد " .

ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " .

قلت: بلى يا رسول الله .

فأخذ بلسانه، قال: "كف عليك هذا" .

قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ .

فقال: "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، - أو على

مناخرهم - ، إلا حصائد ألسنتهم " .


رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح .

هذا الحديث، خرجه: الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، من رواية معمر ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل ، وقال الترمذي : "حسن صحيح" .

[ ص: 85 ] وفيما قاله - رحمه الله - نظر من وجهين:

أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ ، وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام، وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمة - كأحمد وغيره - يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا، وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء : قد أدركه، وكان بالكوفة، وأبو الدرداء بالشام - يعني: أنه لم يصح له سماع منه . وقد حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر ، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد .

والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر ابن حوشب عن معاذ ، خرجه الإمام أحمد مختصرا، قال الدارقطني : وهو أشبه بالصواب; لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه .

قلت: ورواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه . وقد خرجه الإمام أحمد من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ . وخرجه الإمام أحمد - أيضا - من رواية عروة بن النزال - أو النزال ابن عروة وميمون بن أبي شبيب، كلاهما: عن معاذ . ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ . وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة .

وقوله: "ثم تلا: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17)، يعني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا هاتين الآيتين عند ذكره فضل صلاة الليل، ليبين بذلك فضل صلاة الليل .

[ ص: 86 ] وقد روي عن أنس أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء . خرجه الترمذي وصححه، وروي عنه أنه قال في هذه الآية: كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء . خرجه أبو داود . وروي نحوه عن بلال ، خرجه البزار بإسناد ضعيف .

وكل هذا يدخل في عموم لفظ الآية، فإن الله مدح الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لدعائه، فيشمل ذلك كل من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه، فيدخل فيه من صلى بين العشاءين، ومن انتظر صلاة العشاء فلم ينم حتى يصليها، لاسيما مع حاجته إلى النوم ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن انتظر صلاة العشاء: "إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة" .

ويدخل فيه من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجد، وهو أفضل أنواع التطوع بالصلاة مطلقا .

وربما دخل فيه من ترك النوم عند طلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاة الصبح، لاسيما مع غلبة النوم عليه، ولهذا يشرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم .

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وصلاة الرجل من جوف الليل " ذكر أفضل أوقات التهجد بالليل، وهو جوف الليل، وخرج النسائي والترمذي من حديث أبي أمامة ، [ ص: 87 ] قال: قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: " جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات " .

وخرجه ابن أبي الدنيا ، ولفظه: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: أي الصلاة أفضل؟ قال: "جوف الليل الأوسط "، قال: أي الدعاء أسمع؟ قال: "دبر المكتوبات " .

وخرج النسائي من حديث أبي ذر قال:

سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الليل خير؟ قال: "خير الليل: جوفه " .


وخرج الإمام أحمد من حديث أبي مسلم قال: قلت لأبي ذر : أي قيام الليل أفضل؟ قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سألتني، فقال: "جوف الليل الغابر أو نصف الليل، وقليل فاعله " .

وخرجه البزار ، والطبراني من حديث ابن عمر ، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الليل أجوب دعوة؟ قال: "جوف الليل، " زاد البزار في روايته: "الآخر" .

وخرج الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أقرب ما يكون الرب من العبد: في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن " . وصححه .

وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله، أي الساعات [ ص: 88 ] أفضل؟ قال: "جوف الليل الآخر" وفي رواية له - أيضا -: قال: "جوف الليل الآخر أجوبه دعوة" . وفي رواية له: قلت: يا رسول الله، هل من ساعة أقرب إلى الله من أخرى؟ قال: "جوف الليل الآخر" . وخرجه ابن ماجه ، وعنده: "جوف الليل الأوسط "، وفي رواية للإمام أحمد عن عمرو بن عبسة ، قال: قلت: يا رسول الله، هل من ساعة أفضل من ساعة؟ قال: "إن الله ليتدلى في جوف الليل، فيغفر، إلا ما كان من الشرك " .

وقد قيل: إن جوف الليل إذا أطلق فالمراد به: وسطه، وإن قيل: جوف الليل الآخر، فالمراد وسط النصف الثاني، وهو السدس الخامس من أسداس الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي .

* * *

وروى عطية، عن أبي سعيد ، قال: إن الله خلق جنة عدن من ياقوتة حمراء، ثم قال لها: تزيني فتزينت، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه؛ ثم أطبقها وعلقها بالعرش، فهي تفتح في كل سحر، فذلك برد السحر .

وعن ابن عباس ، قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى، وطبقهما بلؤلؤة واحدة لا يعلم الخلائق ما فيهما وهما اللتان: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون

وذكر صفوان بن عمرو ، عن بعض مشايخه، قال: الجنة مائة درجة: أولها: درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضة، وترابها المسك .

[ ص: 89 ] والثانية: ذهب، وأرضها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك .

والثالثة: لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم تلا: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون

وفي "الصحيحين " عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يقول الله عر وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" . ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين

وفي "صحيح مسلم " عن المغيرة بن شعبة - يرفعه: "سأل موسى ربه، قال: يارب، ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: يا رب، كيف وقد أخذ الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت يا رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال له في الخامسة: رضيت يا رب، فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب . قال: فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر . قال: ومصداقه في كتاب الله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث