الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة الكتاب

(الفائدة الثانية) فيما يحتاجه التفسير، ومعنى التفسير بالرأي، وحكم كلام السادة الصوفية في القرآن، فأما ما يحتاجه التفسير فأمور، (الأول) علم اللغة، لأن به يعرف شرح مفردات الألفاظ، ومعلولاتها بحسب الوضع ولا يكفي اليسير إذ قد يكون اللفظ مشتركا، وهو يعلم أحد المعنيين، والمراد الآخر، فمن لم يكن عالما بلغات العرب لا يحل له التفسير كما قاله مجاهد، وينكل كما قاله مالك، وهذا مما لا شبهة فيه نعم، روي عن أحمد أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر فقال: ما يعجبني، وهو ليس بنص في المنع عن بيان المدلول اللغوي للعارف كما لا يخفى، (الثاني) معرفة الأحكام التي للكلم العربية من جهة أفرادها وتركيبها، ويؤخذ ذلك من علم النحو، أخرج أبو عبيدة، عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها أحسن المنطق، ويقيم بها قراءته، فقال: حسن، فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها، وفي قصة الأسود ما يغني عن الإطالة، (الثالث) علم المعاني والبيان والبديع، ويعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهو الركن [ ص: 6 ] الأقوم، واللازم الأعظم في هذا الشأن، كما لا يخفى ذلك على من ذاق طعم العلوم، ولو بطرف اللسان، (الرابع) تعيين مبهم، وتبيين مجمل، وسبب نزول، ونسخ، ويؤخذ ذلك من علم الحديث، (الخامس) معرفة الإجمال، والتبيين، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، ودلالة الأمر والنهي، وما أشبه هذا، وأخذوه من أصول الفقه، (السادس) الكلام فيما يجوز على الله، وما يجب له، وما يستحيل عليه، والنظر في النبوة، ويؤخذ هذا من علم الكلام، ولولاه يقع المفسر في ورطات، (السابع) علم القراآت، لأنه به يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراآت ترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، هذا وعد السيوطي مما يحتاج إليه المفسر، علم التصريف، وعلم الاشتقاق، وأنا أظن أن المهارة ببعض ما ذكرنا يترتب عليها ما يترتب عليهما من الثمرة، وعد أيضا علم الفقه، ولم يعده غيره، ولكل وجهة، وعد علم الموهبة أيضا من ذلك، قال: وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بالحديث: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)، ثم قال: ولعلك تستشكل علم الموهبة، وتقول: هذا شيء ليس في قدرة الإنسان تحصيله، وليس كما ظننت، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل، والزهد إلى آخر ما قاله، وفيه أن علم الموهبة بعد تسليم أنه كسبي إنما يحتاج إليه في الاطلاع على الأسرار لا في أصل فهم معاني القرآن كما يفهمه كلام البرهان، وكثير من المفسرين بصدد الثاني، والواقفون على الأسرار، وقليل ما هم، لا يستطيعون التعبير عن كثير مما أفيض عليهم فضلا عن تحريره وإقامة البرهان عليه، على أن ذلك تأويل لا تفسير، فلعل السيوطي أراد من عبارته معنى آخر يظهر لك بالتدبر فتدبر، (وأما التفسير بالرأي) فالشائع المنع عنه، وأستدل عليه بما أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من قوله: (من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)، وفي رواية عن أبي داود: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)، ولا دليل في ذلك، أما أولا فلأن في صحة الحديث الأول مقالا، قال في المدخل: في صحته نظر، وإن صح فإنما أراد به والله تعالى أعلم فقد أخطأ الطريق إذ الطريق الرجوع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة، وفي نحو الناسخ والمنسوخ إلى الأخبار، وفي بيان المراد منه إلى صاحب الشرع، فإن لم يجد هناك وهنا، فلا بأس بالفكرة ليستدل بما ورد على ما لم يرد، أو أراد من قال بالقرآن قولا يوافق هواه بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير تابعا له، فيرد إليه بأي وجه فقد أخطأ، فالباء على ذلك سببية، أو يقال ذلك في المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، أو في الجزم بأن مراد الله تعالى كذا على القطع من غير دليل، وأما الحديث الثاني فله معنيان: الأول، من قال في مشكل القرآن بما لا يعلم فهو متعرض لسخط الله تعالى، والثاني، وصحح (من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار)، وأما ثانيا فلأن الأدلة على جواز الرأي والاجتهاد في القرآن كثيرة، وهي تعارض ما يشعر بالمنع، فقد قال تعالى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها وقال تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ، وأخرج أبو نعيم، وغيره من حديث ابن عباس : (القرآن ذلول ذو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه)، وقد دعا رسول الله لابن عباس بقوله: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه سئل: هل خصكم رسول الله بشيء؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة، أو فهم يؤتاه الرجل في كتابه، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، والعجب كل العجب مما يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني التراكيب، ولم ينظر إلى اختلاف التفاسير وتنوعها، ولم يعلم أن ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك كالكبريت الأحمر، فالذي ينبغي أن يعول عليه أن من كان [ ص: 7 ] متبحرا في علم اللسان، مترقيا منه إلى ذوق العرفان، وله في رياض العلوم الدينية، أو في مرتع، وفي حياضها أصفى مكرع، يدرك إعجاز القرآن بالوجدان، لا بالتقليد، وقد غدا ذهنه لما أغلق من دقائق التحقيقات أحسن إقليد، فذاك يجوز له أن يرتقي من علم التفسير ذروته، ويمتطي منه صهوته، وأما من صرف عمره بوساوس أرسطاطاليس، واختار شوك القنافذ على ريش الطواويس، فهو بمعزل عن فهم غوامض الكتاب وإدراك ما تضمنه من العجب العجاب، وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الإيمان ومحض العرفان، لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن فقط، إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة، توصلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية، وحاشى سادتنا من ذلك، كيف وقد حضوا على حفظ التفسير الظاهر، وقالوا: لا بد منه أولا إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن قبل إحكام التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب، ومما يؤيد أن للقرآن ظاهرا وباطنا ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك، عن ابن عباس قال: القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال وحلال وحرام وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء.

وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليتل القرآن، ومن المعلوم أن هذا لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر، وقد قال بعض من يوثق به: لكل آية ستون ألف فهم، وروي عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع)، قال ابن النقيب : إن ظاهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وباطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله تعالى عليها أرباب الحقائق، ومعنى قوله: (ولكل حرف حد) أن لكل حرف منتهى فيما أراده الله تعالى من معناه، ومعنى قوله: (ولكل حد مطلع) أن لكل غامض من المعاني والأحكام مطلعا يتوصل به إلى معرفته، ويوقف عن المراد به، وقيل في رواية: (لكل آية ظهر، وبطن، وحد، ومطلع)، والمذكور بوساطة الألفاظ، وتأليفاتها وضعا وإفادة، وجعلها طرقا إلى استنباط الأحكام الخمسة هو الظهر وروح الألفاظ أعني الكلام المعتلي عن المدارك الآلية بجواهر الروح القدسية هو البطن، وإليه الإشارة بقول الأمير السابق، والحد إما بين الظهر والبطن يرتقى منه إليه، وهو المدرك بالجمعية من الجمعية، وإما بين البطن والمطلع فالمطلع مكان الاطلاع من الكلام النفسي إلى الاسم المتكلم المشار إليه بقول الصادق: لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده، ولكن لا يبصرون، والحد بينهما يرتقي به من البطن إليه عند إدراك الرابطة بين الصفة والاسم، واستهلاك صفة العبد تحت تجليات أنوار صفة المتكلم تعالى شأنه، وقيل: الظهر التفسير، والبطن التأويل، والحد ما تتناهى إليه الفهوم من معنى الكلام، والمطلع ما يصعد إليه منه، فيطلع على شهود الملك العلام، انتهى.

فلا ينبغي لمن له أدنى مسكة من عقل بل أدنى ذرة من إيمان أن ينكر اشتمال القرآن على بواطن يفيضها المبدئ الفياض على بواطن من شاء من عباده، ويا ليت شعري ماذا يصنع المنكر بقوله تعالى: وتفصيلا لكل شيء وقوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء ، ويالله تعالى العجب، كيف يقول باحتمال ديوان المتنبي وأبياته المعاني الكثيرة، ولا يقول باشتمال قرآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآياته، وهو كلام رب العالمين المنزل على خاتم المرسلين على ما شاء الله تعالى من المعاني المحتجبة وراء سرادقات تلك المباني، سبحانك هذا بهتان عظيم، بل ما من حادثة ترسم بقلم القضاء في لوح الزمان إلا وفي القرآن العظيم إشارة إليها، فهو المشتمل على خفايا الملك والملكوت، وخبايا قدس الجبروت.

وقد ذكر ابن خلكان في تاريخه: أن السلطان صلاح الدين لما فتح مدينة حلب أنشد القاضي محيي الدين قصيدة بائية [ ص: 8 ] أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها:

وفتحك القلعة الشهباء في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب

فكان كما قال، فسئل القاضي: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين قال المؤرخ: فلم أزل أتطلب التفسير المذكور حتى وجدته على هذه الصورة، وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراجه، وله نظائر كثيرة، ومن المشهور استنباط ابن الكمال فتح مصر على يد السلطان سليم من قوله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون فالإنصاف كل الإنصاف التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز للدائرة المحمدية، ما هم عليه، واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل لكثرة العوائق والعلائق إليه.


وإذا لم تر الهلال فسلم     لأناس رأوه بالأبصار.

وسيأتي تتمة لهذا البحث إن شاء الله تعالى، والله الهادي إلى سواء السبيل.

(الفائدة الثالثة) اعلم أن لكتاب الله تعالى أسماء أنهاها شيدلة في البرهان إلى خمسة وخمسين اسما، وذكر السيوطي بعد عدها في الإتقان وجوه تسميته بها، ولم يذكر غير ذلك، وعندي أنها كلها ترجع بعد التأمل الصادق إلى القرآن والفرقان رجوع أسماء الله تعالى إلى صفتي الجمال والجلال، فهما الأصل فيها، وقد اختلف الناس في تحقيق لفظ القرآن، فالمروي عن الشافعي وبه قال جماعة أنه اسم علم غير مشتق، خاص بهذا الكلام المنزل على النبي المرسل، وهو معرفا غير مهموز عنده كما حكاه عنه البيهقي والخطيب وغيرهما، والمنقول عن الأشعري ، وأقوام أنه مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه، وسمي به عندهم لقران السور والآيات والحروف فيه بعضها ببعض، وقال الفراء : هو مشتق من القرائن لأن الآيات فيه يصدق بعضها بعضا، ويشبه بعضها بعضا، وهو على هذين القولين بلا همز أيضا، ونونه أصلية، وقال الزجاج : هذا القول غلط، والصواب أن ترك الهمزة فيه من باب التخفيف، ونقل حركتها إلى ما قبلها، فهو عنده وصف مهموز على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع، ومنه قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وسمي به لأنه جمع السور كما قال أبو عبيدة، أو ثمرات الكتب السالفة كما قال الراغب ، أو لأن القارئ يظهره من فيه أخذا من قولهم: ما قرأت الناقة سلى قط، كما حكي عن قطرب، وعند اللحياني وجماعة: هو مصدر كالغفران، سمي به المقروء تسمية المفعول بالمصدر، قال السيوطي: قلت: والمختار عندي في هذه المسألة ما نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه، انتهى، وأنا متبرئ من حولي أقول: قول الزجاج أرق من وجه، إذ الشائع فيه الهمز، وبه قرأ السبعة ما عدا ابن كثير، وقد وجه إسقاطها بما مر آنفا، ولم يوجه إثباتها، وكأن قول السيوطي محض تقليد لإمام مذهبه، حيث لم يذكر الدليل، ولم يوضح السبيل، وعندي أنه في الأصل وصف، أو مصدر كما قال الزجاج ، واللحياني، لكنه نقل وجعل علما شخصيا كما ذهب إليه الشافعي ومحققو الأصوليين، وعليه لا يعرف القرآن، لأن التعريف لا يكون إلا للحائق الكلية، ولعل من عرفه بالكلام المنزل للإعجاز بسورة منه أراد تصوير مفهوم لفظ القرآن، وكذا من قال كالغزالي أنه: ما نقل بين دفتي المصحف تواترا، أراد تخصيص الاسم بأحد الأقسام الثلاثة مما نقل بين الدفتين، ومما لم ينقل، كالمنسوخ تلاوته نحو: (إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)، وما نقل ولم يتواتر نحو: (ثلاثة أيام متتابعات)، ليعلم أن ذلك هو الدليل، وعليه الأحكام، من نحو منع التلاوة، والمس محدثا، وإلا فيرد على الأول إن أريد التمييز أن كونه للإعجاز ليس لازما بينا، إذ لا يعرفه إلا الأفراد من العلماء فضلا [ ص: 9 ] عن أن يكون ذاتيا، فكيف يصح لتعريف الحقيقة، وتمييزها، وهو إنما يكون بالذاتيات، أو باللوازم البينة، وأيضا أن معرفة السورة منه متوقفة على معرفته، فيدور، ويرد على الثاني مثل ثاني ما ورد على الأول، إذ معرفة المصحف موقوفة على معرفة القرآن، إذ ليس هو إلا ما كتب فيه القرآن، فأخذه في تعريفه دور أيضا، هذا، وقد قال ساداتنا الصوفية أفاض الله تعالى علينا من فتوحاتهم القدسية: إن القرآن إشارة إلى الذات التي يضمحل بها جميع الصفات، فهي المجلى المسمى بالأحدية أنزلها الحق تعالى شأنه على نبيهمحمد صلى الله عليه وسلم، ليكون مشهد الأحدية من الأكوان، ومعنى هذا الإنزال أن الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت فيه صلى الله عليه وسلم، بكمالها، وما ادخر عنه شيء، بل أفيض عليه الكل، كرما إليها ذاتيا، ووصف القرآن في بعض الآيات بالكريم لذلك، إذ أي كرم يضاهي هذا الكرم، وأنى تقاس هذه النعمة بسائر النعم، وأما القرآن الحكيم، فهوية الحقائق الإلهية يعرج العبد بالتحقيق بها في الذات شيئا فشيئا، على ما اقتضته الحكمة، وإلى ذلك أشار الحق تعالى بقوله: ورتلناه ترتيلا وهذا الحكم لا ينقطع أبدا إذ لا يزال العبد في ترق، والحق في تجل، فسبحان من لا تقيده الأكوان، وهو كل يوم في شان، وأما القرآن العظيم في قوله تعالى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم فهو إشارة إلى الجملة الذاتية لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي في مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب والصفات والشؤون والاعتبارات، ولهذا قرن بالعظيم، وأما السبع المثاني فهو ما ظهر عليه في وجوده من التحقق بالصفات السبع، وأما قوله تعالى: الرحمن علم القرآن فهو إشارة إلى أن العبد إذا تجلى عليه الرحمن وجد لذة رحمانية تكسبه معرفة قرآنية، فلا يعلم الحق إلا من طريق أسمائه وصفاته، وأما الفرقان عندهم فإشارة إلى حقيقة الأسماء والصفات على اختلاف تنوعاتها فباعتباراتها تتميز كل صفة واسم من غيرها، فحصل الفرق في نفس الحق من حيث أسماؤه، وصفاته، فإن اسمه المنعم غير اسمه المنتقم، وصفة الرضا غير صفة الغضب، وإليه الإشارة بقوله: (سبقت رحمتي غضبي)، وهي متفاوتة المراتب في الفضل نظرا إلى أعيانها، لا باعتبار أن في شيء منها نقصا، أو مفضولية، ولهذا حكمت بعضها على بعض كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك)، فكانت المعافاة أفضل من العقوبة، والرضا أفضل من السخط، فأعاذه بالفاضل مما يليه، وكذا أعاذه بذاته من ذاته، فكما أن الفرق حاصل في الأفعال كذلك في الصفات، بل في نفس واحدية الذات التي لا فرق فيها، لكن من غريب شئونها جمعها النقيضين قال أبو سعيد : عرفت الله تعالى بجمعه بين الضدين، ولكونه صلى الله عليه وسلم مظهرا للقرآن، والفرقان، كان خاتم النبيين، وإمام المرسلين، لأنه ما ترك شيئا يحتاج إليه إلا وقد جاء به، فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمال شيئا مما ينبغي أن ينبه عليه، قال تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال تعالى: وكل شيء فصلناه تفصيلا إلى غير ذلك من الآيات.

(وقد يقال): القرآن والفرقان إشارتان إلى مقام الجمع، والفرق بأقسامهما، قالوا: ولا بد للعبد الكامل منهما، فإن من لا تفرقة له لا عبودية له، ومن لا جمع له لا معرفة له، والجمع عندهم شهود الأشياء بالله تعالى، والتبري من الحول والقوة إلا بالله، وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية، والفناء عما سوى الله تعالى، وهو المرتبة الأحدية، والفرق أنواع فرق أول، وهو الاحتجاب بالخلق عن الحق، وبقاء رسوم الخليقة بحالها، وفرق ثان، وهو شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة من غير احتجاب إحداهما عن الأخرى، وفرق الوصف وهو ظهور الذات الأحدية بأوصافها في الحضرة الواحدة، وفرق الجمع وهو تكثر الواحد بظهوره في المراتب [ ص: 10 ] التي هي ظهور شئون الذات الأحدية وتلك الشؤون في الحقيقة اعتبارات محضة لا تحقق لها إلا عند بروز الواحد بصورها، وكثيرا ما يطلقون القرآن على العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها، والفرقان على العلم التفصيلي الفارق بين الحق والباطل، وكتاب الله تعالى جامع لذلك كله كما لا يخفى على أهله، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن القرآن يتضمن الفرقان، والفرقان يتضمن القرآن، لأن تفاصيل المراتب والأسماء المقتضية لها موجودة في الجمع، والجمع لا يوجد في التفاصيل، ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فليفهم، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، ويزيل بعلمه جهلنا إنه على ما يشاء قدير.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث