الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط التطهير بالماء

جزء التالي صفحة
السابق

( ومنها ) العصر فيما يحتمل العصر ، وما يقوم مقامه فيما لا يحتمله والجملة فيه أن المحل الذي تنجس إما إن كان شيئا لا يتشرب فيه أجزاء النجس أصلا ، أو كان شيئا يتشرب فيه شيء يسير ، أو كان شيئا يتشرب فيه شيء كثير ، فإن كان مما لا يتشرب فيه شيء أصلا ، كالأواني المتخذة من الحجر والصفر ، والنحاس والخزف العتيق ، ونحو ذلك فطهارته بزوال عين النجاسة ، أو العدد على ما مر ، وإن كان مما يتشرب فيه شيء قليل ، كالبدن والخف والنعل فكذلك ; لأن الماء يستخرج ذلك القليل فيحكم بطهارته ، وإن كان مما يتشرب فيه كثير ، فإن كان مما يمكن عصره كالثياب ، فإن كانت النجاسة مرئية فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول العين ، وإن كانت غير مرئية فطهارته بالغسل ثلاثا ، والعصر في كل مرة ; لأن الماء لا يستخرج الكثير إلا بواسطة العصر ، ولا يتم الغسل بدونه .

وروي عن محمد أنه يكتفي بالعصر في المرة الأخيرة ، ويستوي الجواب عندنا بين بول الصبي والصبية .

وقال الشافعي : بول الصبي يطهر بالنضح من غير عصر ، ( واحتج ) بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ينضح بول الصبي ، ويغسل بول الجارية } .

( ولنا ) ما روينا من حديث عمار من غير فصل بين بول وبول ، وما رواه غريب فلا يقبل ، خصوصا إذا خالف المشهور ، وإن كان مما لا يمكن عصره ، كالحصير المتخذ من البوري ونحوه ، أي ما لا ينعصر بالعصر إن علم أنه لم يتشرب فيه ، بل أصاب ظاهره يطهر بإزالة العين ، أو بالغسل ثلاث مرات من غير عصر ، فأما إذا علم أنه تشرب فيه فقد قال أبو يوسف : ينقع في الماء ثلاث مرات ، ويجفف في كل مرة فيحكم بطهارته .

وقال محمد : لا يطهر أبدا ، وعلى هذا الخلاف : الخزف الجديد إذا تشرب فيه النجس ، والجلد إذا دبغ بالدهن النجس ، والحنطة إذا تشرب فيها النجس وانتفخت أنها لا تطهر أبدا عند محمد ، وعند أبي يوسف تنقع في الماء ثلاث مرات ، وتجفف في كل مرة وكذا السكين إذا موه بماء نجس ، واللحم إذا طبخ بماء نجس فعند أبي يوسف : يموه السكين ، ويطبخ اللحم بالطاهر ثلاث مرات ، ويجفف في كل مرة ، وعند محمد : لا يطهر أبدا وجه قول محمد أن النجاسة إذا دخلت في الباطن يتعذر استخراجها إلا بالعصر ، والعصر متعذر وأبو يوسف يقول : إن تعذر العصر فالتجفيف ممكن ، فيقام التجفيف مقام العصر [ ص: 89 ] دفعا للحرج وما قاله محمد أقيس ، وما قاله أبو يوسف أوسع ، ولو أن الأرض أصابتها نجاسة رطبة ، فإن كانت الأرض رخوة يصب عليها الماء ، حتى يتسفل فيها فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة ، وتسفلت المياه يحكم بطهارتها ، ولا يعتبر فيها العدد ، وإنما هو على اجتهاده ، وما في غالب ظنه أنها طهرت ، ويقوم التسفل في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر ، وعلى قياس ظاهر الرواية يصب الماء عليها ثلاث مرات ، ويتسفل في كل مرة ، وإن كانت الأرض صلبة فإن كانت صعودا يحفر في أسفلها حفيرة ، ويصب الماء عليها ثلاث مرات ، ويزال عنها إلى الحفيرة ، ثم تكبر الحفيرة ، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول الماء عنها لا تغسل ، لعدم الفائدة في الغسل .

وقال الشافعي : إذا كوثرت بالماء طهرت ، وهذا فاسد ; لأن الماء النجس باق حقيقة ، ولكن ينبغي أن تقلب فيجعل أعلاها أسفلها ، وأسفلها أعلاها ليصير التراب الطاهر وجه الأرض ، هكذا روي أن { أعرابيا بال في المسجد ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفر موضع } بوله ، فدل أن الطريق ما قلنا ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث