الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال بشر عن أبي يوسف : إذا جعل الرجل على نفسه أن يطعم عشرة مساكين ولم يسم فعليه ذلك ، فإن أطعم خمسة لم يجزه ; لأن النذر يعتبر بأصل الإيجاب ، ومعلوم أن ما أوجبه ينبغي أن يكون لعدد من المساكين لا يجوز دفعه إلى بعضهم إلا على التفريق في الأيام فكذا النذر .

ولو قال : لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم على المساكين فتصدق بها على واحد أجزأه ; لأنه يجوز دفع الزكاة إلى مسكين واحد وإن كان المذكور فيها جميع المساكين لقول الله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ، كذلك النذر .

ولو قال : لله علي أن أطعم هذا المسكين هذا [ ص: 87 ] الطعام بعينه فأعطى ذلك الطعام غيره أجزأه ; لأن الصدقة المتعلقة بمال متعين لا يتعين فيها المسكين ; لأنه لما عين المال صار هو المقصود فلا يعتبر تعيين الفقير ، والأفضل أن يعطي الذي عينه .

ولو قال : لله علي أن أطعم هذا المسكين شيئا سماه ولم يعينه ، فلا بد أن يعطيه الذي سماه ; لأنه إذا لم يعين المنذور صار تعيين الفقير مقصودا ، فلا يجوز أن يعطي غيره .

ولو قال : لله علي إطعام عشرة مساكين وهو لا ينوي أن يطعم عشرة مساكين ، إنما نوى أن يطعم واحدا ما يكفي عشرة أجزأه ; لأن الطعام اسم للمقدار ، فكأنه أوجب مقدار ما يطعم عشرة ، فيجوز أن يطعم بعضهم .

ولو قال : لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم يوم يقدم فلان ، ثم قال : إن كلمت فلانا فعلي أن أتصدق بهذه الدراهم ، فكلم فلانا وقدم فلان - أجزأه أن يتصدق بتلك الدراهم عنهما جميعا ، ولا يلزمه غير ذلك وكذلك الصيام إذا سمى يوما بعينه ; لأنه علق وجوب شيء واحد بشرطين لكل واحد منهما بحياله ، فإن وجد الشرطان معا وجبت بالإيجابين جميعا ; لأن اجتماع سببين على حكم واحد جائز ، فإن وجدا على التعاقب وجب بالأول ، ولا يتعلق بالثاني حكم .

نظيره إذا قال لعبده : إن دخل زيد هذه الدار فأنت حر ، ثم قال إن دخلها عمرو فأنت حر فإن دخلا معا عتق العبد بالإيجابين ، وإن دخلا على التعاقب عتق بالأول ولا يتعلق بالثاني حكم كذا هذا .

ولو قال : إن كلمت فلانا فعلي أن أتصدق بهذه الدراهم فكلم فلانا - وجب عليه أن يتصدق بها ; لأنه أوجب على نفسه التصدق بها ، فيجب عليه ذلك ، فإن أعطى ذلك من كفارة يمينه أو من زكاة ماله فعليه لنذره مثل ما أعطى ; لأنه لما أعطى تعين للإخراج بجهة النذر ، ولم يتعين للإخراج بجهة الزكاة ، فإذا أخرجه بحق لم يتعين فيه صار مستهلكا له فيضمن مثله ، كما لو أنفقه بخلاف الفصل الأول ; لأن مثال الواجب تعين لكل واحد عن النذرين فجاز عنهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث