الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المسألة الثالثة : قد كانت الخلقة مستمرة ذكرا وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى ، فأتى به فريض العرب ومعمرها عامر بن الظرب ، فلم يدر ما يقول فيه ، وأرجأهم عنه ، فلما جن عليه الليل تنكر موضعه ، وأقض عليه مضجعه ، وجعل يتقلى ويتقلب . وتجيء به الأفكار وتذهب إلى أن أنكرت الأمة حالته ، فقالت : ما بك ؟ قال لها : سهرت لأمر قصدت فيه فلم أدر ما أقول فيه . فقالت له : ما هو ؟ قال لها : رجل له ذكر وفرج ، كيف تكون حالته في الميراث ؟ قالت له الأمة : ورثه من حيث يبول ، فعقلها ، وأصبح ، فعرضها لهم وأمضاها عليهم ، فانقلبوا بها راضين . وجاء الإسلام على ذلك فلم تنزل إلا في عهد علي بن أبي طالب ، فقضى فيها بما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

وقد روى الفرضيون عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه سئل عن مولود له قبل وذكر من أين يورث ؟ قال : من حيث يبول } .

وروي أنه أتى بخنثى من الأنصار ، فقال : { ورثوه من أول ما يبول } .

قال القاضي : قال لنا شيخنا أبو عبد الله الشقاق فرضي الإسلام : إن بال منهما جميعا ورث بالذي يسبق منه البول ، وكذلك رواه محمد بن الحنفية عن علي ، ونحوه ، عن [ ص: 82 ] ابن عباس وبه قال ابن المسيب ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وحكاه المزني عن الشافعي . وقال قوم : لا دلالة في البول ، فإن خرج البول منهما جميعا قال أبو يوسف : يحكم بالأكثر .

وأنكره أبو حنيفة ، وقال : أيكيله ، ولم يجعل أصحاب الشافعي للكثرة حكما .

وحكي عن علي والحسن : تعد أضلاعه ، فإن المرأة تزيد على الرجل بضلع واحد ، ولو صح هذا لما أشكل حاله . انتهى كلام شيخنا أبي عبد الله .

وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : لا أحفظ عن مالك في الخنثى شيئا . وحكى عنه أنه جعله ذكرا ، وحكى عنه أنه جعل له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى ، وليس بثابت عنه .

قال أبو عبد الله الشقاق : ومما يستدل به على حاله : الحيض ، والحبل ، وإنزال المني من الذكر ، واللحية ، والثديان ; ولا يقطع بذلك . وقد قيل : إذا بلغ زال الإشكال .

قال القاضي : وروي عن علمائنا فيه قال مطرف ، وابن الماجشون ، وابن عبد الحكم ، وابن وهب ، وابن نافع ، وأصبغ : يعتبر مباله . فإن بال منهما فالأسبق ، وإن خرج منهما فالأكثر ، ولولا ما قال العلماء هذا لقلت : إنه إن بال من ثقب إنه يعتبر به هو الآخر ; لأن الولد لا يخرج من المبال بحال ، وإنما ثقب البول غير مخرج الولد . ويتبين ذلك في الأنثى ، وقالوا على مخرج البول ينبني نكاحه وميراثه وشهادته وإحرامه في حجه ، وجميع أمره .

وإن كان له ثدي ولحية أو لم يكن ورث نصف ميراث رجل ، ولا يجوز له حينئذ نكاح ، ويكون أمره في شهادته وصلاته وإحرامه على أحوط الأمرين .

والذي نقول : إنه يستدل فيه بالحبل والحيض .

حالة ثالثة كحالة أولى لا بد منها ، وهي أنه إذا أشكل أمره فطلب النكاح من ذكره ، وطلب النكاح من فرجه فإنه أمر لم يتكلم فيه علماؤنا ، وهو من النوع الذي يقال فيه دعه حتى يقع ، ولأجل هذه الإشكالات في الأحكام والتعارض في الإلزام والالتزام أنكره [ ص: 83 ] قوم من رءوس العوام ، فقالوا : إنه لا خنثى ; فإن الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى .

قلنا : هذا جهل باللغة وغباوة عن مقطع الفصاحة ، وقصور عن معرفة سعة القدرة ; أما قدرة الله تعالى فإنه واسع عليم .

وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى ; لأن الله تعالى قال : { لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء } ، فهذا عموم فلا يجوز تخصيصه لأن القدرة تقتضيه . وأما قوله : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير } فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات ، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول ; والوجود يشهد له ، والعيان يكذب منكره .

وقد كان يقرأ معنا برباط أبي سعيد علي الإمام الشهيد من بلاد المغرب خنثى [ ليس ] له لحية ، وله ثديان ، وعنده جارية ، فربك أعلم به ، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله ، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله . المسألة الرابعة : في توريثه ، وهو مذكور على التمام في كتب المسائل ، فلينظر هنالك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث