الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول "

القول في تأويل قوله ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ( إذا دعاكم لما يحييكم ) .

فقال بعضهم : معناه : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان . [ ص: 464 ]

* ذكر من قال ذلك :

15867 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط عن السدي : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال : أما " ما يحييكم " ، فهو الإسلام ، أحياهم بعد موتهم ، بعد كفرهم . * * *

وقال آخرون : للحق .

* ذكر من قال ذلك :

15868 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : ( لما يحييكم ) ، قال : الحق .

15869 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

15870 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال : الحق .

15871 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام قال ، حدثنا عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال : للحق . * * *

وقال آخرون : معناه : إذا دعاكم إلى ما في القرآن .

* ذكر من قال ذلك :

15872 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة [ ص: 465 ] قوله : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال : هو هذا القرآن ، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة . * * *

وقال آخرون : معناه : إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو .

* ذكر من قال ذلك :

15873 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، أي : للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل ، وقواكم بعد الضعف ، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم . * * *

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : معناه : استجيبوا لله وللرسول بالطاعة ، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق . وذلك أن ذلك إذا كان معناه ، كان داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد ، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن ، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب . أما في الدنيا ، فبقاء الذكر الجميل ، وذلك له فيه حياة . وأما في الآخرة ، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها . * * *

وأما قول من قال : معناه الإسلام ، فقول لا معنى له . لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، فلا وجه لأن يقال للمؤمن : استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان . * * * [ ص: 466 ]

وبعد ، ففيما : -

15874 - حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا روح بن القاسم ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو يصلي ، فدعاه : أي أبي ! فالتفت إليه أبي ولم يجبه . ثم إن أبيا خفف الصلاة ، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك ، أي رسول الله ! قال : وعليك ، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني ؟ قال : يا رسول الله ، كنت أصلي ! قال : أفلم تجد فيما أوحي إلي : " استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " ؟ قال : بلى ، يا رسول الله ! لا أعود . [ ص: 467 ]

15875 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا خالد بن مخلد ، عن محمد بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو قائم يصلي ، فصرخ به [ فلم يجبه ، ثم جاء ] ، فقال : يا أبي ، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك ؟ أليس الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ؟ قال أبي : لا جرم يا رسول الله ، لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت أصلي ! * * *

ما يبين عن أن المعني بالآية ، هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم ، لأن أبيا لا شك أنه كان مسلما في الوقت الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا في هذين الخبرين . * * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث