الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة "

القول في تأويل قوله ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ( 25 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : " اتقوا " ، أيها المؤمنون " فتنة " ، يقول : اختبارا من الله يختبركم ، وبلاء يبتليكم " لا تصيبن " ، هذه الفتنة التي حذرتكموها " الذين ظلموا " ، وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله ، إما أجرام أصابوها ، وذنوب بينهم وبين الله ركبوها . يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية ، أو يأتوا مأثما يستحقون بذلك منه عقوبة . * * *

وقيل : إن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم الذين عنوا بها .

* ذكر من قال ذلك :

15903 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن إبراهيم قال ، حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن الحسن في قوله : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال : نزلت في علي ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، رحمة الله عليهم .

15904 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال قتادة : قال الزبير بن العوام : لقد نزلت وما نرى أحدا منا يقع بها . ثم خلفنا في إصابتنا خاصة . [ ص: 474 ]

15905 - حدثني المثنى قال ، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة قال ، حدثنا حماد ، عن حميد ، عن الحسن : أن الزبير بن العوام قال : نزلت هذه الآية : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، وما نظننا أهلها ، ونحن عنينا بها .

15906 - . . . . قال ، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن الصلت بن دينار ، عن ابن صهبان قال : سمعت الزبير بن العوام يقول : قرأت هذه الآية زمانا ، وما أرانا من أهلها ، فإذا نحن المعنيون بها : ( واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) .

15907 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه ) ، قال : هذه نزلت في أهل بدر خاصة ، وأصابتهم يوم الجمل ، فاقتتلوا .

15908 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن ابن أبي خالد ، عن السدي : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ، قال : أصحاب الجمل .

15909 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم ، فيعمهم الله بالعذاب . [ ص: 475 ]

15910 - . . . . قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال : هي أيضا لكم .

15911 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال : " الفتنة " ، الضلالة .

15912 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن المسعودي ، عن القاسم قال : قال عبد الله : ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ، إن الله يقول : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) [ سورة الأنفال : 28 ] ، فليستعذ بالله من مضلات الفتن .

15913 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : قال الزبير : لقد خوفنا بها يعني قوله : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) . * * *

واختلف أهل العربية في تأويل ذلك .

فقال بعض نحويي البصرة : ( اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ) ، قوله : " لا تصيبن " ، ليس بجواب ، ولكنه نهي بعد أمر ، ولو كان جوابا ما دخلت " النون " . * * *

وقال بعض نحويي الكوفة قوله : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ) ، أمرهم ثم نهاهم . وفيه طرف من الجزاء ، وإن كان نهيا . قال : ومثله قوله : [ ص: 476 ] ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ) ، [ سورة النمل : 18 ] ، أمرهم ثم نهاهم ، وفيه تأويل الجزاء .

وكأن معنى الكلام عنده : اتقوا فتنة ، إن لم تتقوها أصابتكم . * * *

وأما قوله : ( واعلموا أن الله شديد العقاب ) ، فإنه تحذير من الله ، ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله : ( واتقوا فتنة ) ، يقول : اعلموا ، أيها المؤمنون ، أن ربكم شديد عقابه لمن افتتن بظلم نفسه ، وخالف أمره ، فأثم به . * * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث