الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الرابعة قوله تعالى ثم قفينا على آثارهم برسلنا

[ ص: 152 ] الآية الرابعة

قوله تعالى : { ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } . فيها أربع مسائل : المسألة الأولى الرهبانية : فعلانية من الرهب كالرحمانية ; وقد قرئت بضم الراء وهي من الرهبان كالرضوانية من الرضوان . [ والرهب هو الخوف ، كفى به عن فعل التزم خوفا من الله ورهبا من سخطه ] . المسألة الثانية في تفسيرها : وفيه أربعة أقوال : الأول أنها رفض النساء ، وقد نسخ ذلك في ديننا ، كما تقدم .

الثاني : اتخاذ الصوامع للعزلة ; وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان .

الثالث : سياحتهم ، وهي نحو منه .

الرابع روى الكوفيون عن ابن مسعود قال { : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تدري أي الناس أعلم ؟ قال : قلت : الله ورسوله أعلم . قال : أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه ، وإن كان مقصرا في العمل ، وإن كان يزحف على استه } .

وافترق من [ كان ] قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة ، نجا منها ثلاث ، وهلك سائرها : فرقة آزت الملوك ، وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودينعيسى ابن مريم ، فأخذتهم الملوك وقتلهم وقطعتهم بالمناشير ، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ، ولا بأن يقيموا بين ظهراني [ ص: 153 ] قومهم ، فيدعوهم إلى ذكر الله [ ودينه ] ودين عيسى ابن مريم ، فساحوا في الجبال ، وترهبوا فيها ، وهي التي قال الله فيها : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } .

المسألة الثالثة روي عن أبي أمامة الباهلي ، واسمه صدي بن عجلان ، وأنه قال : أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم ، إنما كتب عليكم الصيام ; فدوموا على القيام إذا فعلتموه ، ولا تتركوه ; فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ، فعاتبهم الله بتركها ، فقال : { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها } يعني تركوا ذلك فعوقبوا عليها .

المسألة الرابعة قد بينا أن قوله تعالى : { ما كتبناها عليهم } من وصف الرهبانية ، وأن قوله تعالى : { ابتغاء رضوان الله } متعلق بقوله تعالى : { ابتدعوها } . وقد زاغ قوم عن منهج الصواب فظنوا أنها رهبانية كتبت عليهم بعد أن التزموها ، وليس يخرج هذا من قبيل مضمون الكلام ، ولا يعطيه أسلوبه ولا معناه ، ولا يكتب على أحد شيء إلا بشرع أو نذر ، وليس في هذا اختلاف بين أهل الملل . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث