الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف - رحمه الله تعالى : ( وإن أدرك معه مقدار الركوع الجائز فقد أدرك الركعة ، وإن لم يدرك ذلك لم يدرك الركعة ; لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ، ومن لم يدرك الركوع فليتم الظهر أربعا } ) .

                                      [ ص: 112 ]

                                      التالي السابق


                                      [ ص: 112 ] الشرح ) هذا الحديث بهذا اللفظ غريب ، ورواه الدارقطني بإسناد ضعيف ، ولفظه { من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى ، فإن أدركهم جلوسا صلى الظهر أربعا } " فقال الشافعي والأصحاب : إذا أدرك مسبوق الإمام راكعا وكبر ، وهو قائم ثم ركع فإن وصل المأموم إلى حد الركوع المجزئ ، وهو أن تبلغ راحتاه ركبتيه قبل أن يرفع الإمام عن حد الركوع المجزئ فقد أدرك الركعة وحسبت له قال صاحب البيان : ويشترط أن يطمئن المأموم في الركوع قبل ارتفاع الإمام عن حد الركوع المجزئ .

                                      وأطلق جمهور الأصحاب المسألة ، ولم يتعرضوا للطمأنينة ، ولا بد من اشتراطها كما ذكره صاحب البيان ، قال الرافعي : قال أصحابنا : ، ولا يضر ارتفاع الإمام عن أكمل الركوع إذا لم يرتفع عن القدر المجزئ .

                                      وهذا الذي ذكرناه من إدراك الركعة بإدراك الركوع هو الصواب الذي نص عليه الشافعي ، وقاله جماهير الأصحاب وجماهير العلماء ، وتظاهرت به الأحاديث وأطبق عليه الناس ، وفيه وجه ضعيف مزيف أنه لا يدرك الركعة بذلك ، حكاه صاحب التتمة عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة من أكبر أصحابنا الفقهاء المحدثين ، وحكاه الرافعي عنه وعن أبي بكر الصبغي من أصحابنا ، وهو بكسر الصاد المهملة ، وإسكان الباء الموحدة وبالغين المعجمة ، قال صاحب التتمة : هذا ليس بصحيح ; لأن أهل الأعصار اتفقوا على الإدراك به فخلاف من بعدهم لا يعتد به ، فإذا قلنا بالمذهب ، وهو أنه يدركها فشك هل بلغ حد الركوع المجزئ واطمأن قبل ارتفاع الإمام عنه أم بعده ؟ فطريقان : ( أحدهما ) ، وهو المذهب وبه قطع الجمهور في الطريقتين ، ونص عليه الشافعي في الأم : لا يكون مدركا للركعة ; لأن الأصل عدم الإدراك ، ولأن الحكم بالاعتداد بالركعة بإدراك الركوع رخصة فلا يصار إليه إلا بيقين ( والثاني ) : فيه وجهان حكاه إمام الحرمين وجعلهما الغزالي قولين ، والصواب وجهان ( أصحهما ) هذا ( والثاني ) : يكون مدركا ; لأن الأصل عدم ارتفاع الإمام ، والله أعلم .

                                      وهذا الذي ذكرناه من إدراك المأموم الركعة بإدراك ركوع الإمام هو فيما إذا كان الركوع محسوبا للإمام ، فإن لم يكن محسوبا له بأن كان الإمام [ ص: 113 ] محدثا ، أو قد سها وقام إلى الخامسة فأدركه المسبوق في ركوعها ، أو نسي تسبيح الركوع واعتدل ، ثم عاد إليه ظانا جوازه فأدركه فيه لم يكن مدركا للركعة على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور ; لأن القيام والقراءة إنما يسقطان عن المسبوق ; لأن الإمام يحملهما عنه ، وهذا الإمام غير حامل فإن الركوع في الصورة المذكورة غير محسوب له ، وفيه وجه أنه يكون مدركا ، وهو ضعيف ، وسنوضحه إن شاء الله تعالى - في باب صفة الأئمة في مسألة الصلاة خلف المحدث .



                                      ( فرع ) إذا أدرك المسبوق الإمام بعد فوات الحد المجزئ من الركوع فلا خلاف أنه لا يكون مدركا للركعة ، لكن يجب عليه متابعة الإمام فيما أدرك ، وإن لم يحسب له فإن أدركه في التشهد الأخير لزمه أن يجلس معه ، وهل يسن له التشهد معه ؟ فيه وجهان مشهوران حكاهما الخراسانيون والشيخ أبو حامد وابن الصباغ وصاحب البيان وآخرون من العراقيين ( الصحيح ) المنصوص أنه يسن متابعة الإمام ( والثاني ) لا يسن ; لأنه ليس موضعه في حقه .

                                      قال أصحابنا : ، ولا يجب التشهد على هذا المسبوق بلا خلاف بخلاف القعود فيه ، فإنه وجب عليه بلا خلاف ; لأن متابعة الإمام إنما تجب في الأفعال ، وكذا في الأقوال المحسوبة للإمام ، ولا يجب في الأقوال التي لا تحسب له ; لأنه لا يحل تركها بصورة المتابعة بخلاف الأفعال ، ومتى أدركه في ركوع أو بعده لا يأتي بدعاء الافتتاح لا في الحال ، ولا فيما بعده حتى لو أدركه في آخر التشهد فأحرم وجلس فسلم الإمام عقب جلوسه فقام إلى تدارك ما عليه لم يأت بدعاء الافتتاح لفوات محله ، وإن سلم قبل جلوسه أتى به ، وقد سبقت المسألة موضحة في أوائل صفة الصلاة .

                                      ( فرع ) ذكرنا [ أنه ] إذا لم يدرك المسبوق الركوع لا تحسب له الركعة عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال زفر : تحسب إن أدركه في الاعتدال




                                      الخدمات العلمية