الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قال البخاري : حدثنا مكي بن إبراهيم ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يقيم على إحرامه ، قال جابر : وقدم علي من سعايته ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بم أهللت يا علي ؟ قال : بما أهل به النبي ، قال : فأهد وامكث حراما كما أنت .

وحديث أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل معنى حديث علي عنه في ذلك سواء ، وكلاهما حديث [ ص: 113 ] ثابت صحيح .

ذكر البخاري قال : حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى ، قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومي باليمن ، فجئت وهو بالبطحاء ، فقال : بم أهللت ؟ قلت أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه ، قال : هل معك هدي ؟ قلت : لا ، وذكر الحديث .

ففي هذين الحديثين أن عليا وأبا موسى لم ينويا شيئا معينا من حج مفرد ، ولا عمرة ، ولا قران ، وإنما أهلا محرمين ، وعلقا النية في عملهما بما نواه وعمله غيرهما ، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدل ذلك والله أعلم على أن النية في الإحرام بالحج ليس كالنية في الإحرام بالصلاة ، ألا ترى أن الدخول في الصلاة مفتقر إلى القول والنية جميعا ، وهو التكبير واعتقاد تعيين الصلاة بعينها ، وليس الحج كذلك ; لأنه يصح عندهم بالنية دون التلبية ، ألا ترى أن الحج قد يدخل فيه بغير التلبية من الأعمال ، مثل إشعار الهدي ، والتوجه نحو البيت إذا نوى بذلك الإحرام ، ومثل أن يقول : قد أحرمت بالحج ، أو بالعمرة أو نحو ذلك ، ولا يصح الإحرام في الصلاة إلا بالتكبير ، فلهذا جاز نقل الإحرام في الحج من شيء إلى مثله ويصحح ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي ، فليجعلها عمرة فأجاز أن يدخل فيه بوجه ويصرفه إلى غيره ، ولهذا قال : إنه يدخل فيه الصغير ثم يبلغ ، فيبني على ذلك في عمله إذا صح له الوقوف بعرفة ; لأنه أصل الحج الذي يبنى عليه ما سواه منه ، والكلام في هذه المسألة يطول ، وفيما لوحنا به مقنع إن شاء الله .

[ ص: 114 ] وقد ذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة ، لم يكن حاجا ولا معتمرا ، ولو نوى ولم يحرم حتى قضى المناسك كان حجه تاما ، واحتج بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمال بالنية قال : ومن فعل مثل ما فعل علي - رضي الله عنه - حين أهل على إهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - أجزأته تلك النية لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت .

قال أبو عمر : فإن لم يكن العبد أحرم ولا الصبي ، أو كان ذمي دخل مكة وهو كرى لبعض الحاج ، فرزق الإسلام ، فأسلم وهو بعرفة أو بمكة قبل عرفة ، فإنه يحرم بالحج إن أراد الحج من مكة ، أو بعرفة ، فإن أدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر من ليلة النحر ، فقد أدرك الحج ، ويجزيه ذلك من حجة الإسلام ، ولا دم عليه في قول مالك ، وقال أبو حنيفة ، والشافعي : عليه دم لترك الميقات ، وحجه تام ، وسيأتي القول في النية بالحج عند ذكر التلبية به في حديث نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا إن شاء الله عز وجل .

إبراهيم بن أبي عبلة

إبراهيم بن أبي عبلة أبو إسحاق ، وقد قيل أبو إسماعيل ، قيل إنه عقيلي من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وقد قيل إنه تميمي ، فالله أعلم .

[ ص: 115 ] واسم أبي عبلة شمير بن يقظان بن المرتحل ، معدود في التابعين ، رأى ابن عمر ، وأدرك أنس بن مالك ، وأبا أمامة ، وربيب عبادة بن الصامت أبا أبي ابن أم حرام ، وروى عنهم ، واختلف في سماعه من واثلة بن الأسقع ، سكن الشام ، وعمر طويلا ، ومات في خلافة أبي جعفر سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة ، وكان ثقة فاضلا له أدب ومعرفة ، وكان يقول الشعر الحسن ، روى عنه جلة : مالك ، ويونس بن يزيد ، وبكر بن مضر .

لمالك عنه في الموطأ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث واحد مرسل ، وهو : مالك ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ، ولا أحقر ، ولا أدحر ، ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذلك إلا لما رأى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام ، إلا ما رأى يوم بدر ، قيل : وما رأى يوم بدر يا رسول الله ؟ فقال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة هكذا .

هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة له عن مالك .

ورواه أبو النضر إسماعيل بن إبراهيم العجلي ، عن مالك ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ، عن أبيه ، ولم يقل في هذا الحديث عن أبيه غيره ، وليس بشيء ، وطلحة بن عبيد الله بن كريز هذا خزاعي من أنفسهم [ ص: 116 ] تابعي مدني ثقة ، سمع من ابن عمر وغيره ، وقال البخاري : طلحة بن عبيد الله بن كريز الكعبي الخزاعي المدني سمع أم الدرداء .

قال أبو عمر : هذا حديث حسن في فضل شهود ذلك الموقف المبارك ، وفيه دليل على الترغيب في الحج ، ومعنى هذا الحديث محفوظ من وجوه كثيرة ، وفيه دليل على أن كل من شهد تلك المشاهد يغفر الله له إن شاء الله ، وفيه أن شهود بدر أفضل من كل عمل يعمله الإنسان بعده إلى يوم القيامة نفلا كان أو فرضا ; لأن هذا القول كان منه صلى الله عليه في حجة الوداع ، وفيه الخبر عن حسد إبليس وعداوته لعنه الله ، وفيه دليل على أن الحسود يجد في نفسه ذلة لعدمه ما أوتيه المحسود ، وأما قوله : أصغر ، وأحقر ، وأغيظ ، فمستغن عن التفسير لوضوح معاني ذلك عند العامة ، والخاصة ، وأما قوله : أدحر ، فمعناه أبعد من الخير ، وأهون ، والأدحر المطرود المبعد من الخير المهان ، يقال أدحره عنك أي أطرده ، وأبعده .

وأما قوله يزع الملائكة ، فقال أهل اللغة معنى يزع يكف ويمنع ، إلا أنها هاهنا بمعنى يعبيهم ، ويرتبهم للقتال ، ويصفهم ، وفيه معنى الكف ; لأنه يمنعهم عن الكلام من أن يشف بعضهم على بعض ، ويخرج بعضهم عن بعض في الترتيب ، قالوا ومنه قول الله عز وجل وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون وقد تكني العرب بهذه اللفظة عن الموعظة لما فيها من معنى الكف ، والمنع ، والردع ، والزجر ، قال النابغة الذبياني :


على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما أصح والشيب وازع

[ ص: 117 ] وقال لبيد العامري :


إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه     قضى عملا والمرء ما عاش عامل
فقولا له إن كان يعقل أمره     ألما يزعك الدهر أمك هابل

وقال المعلوط السعدي :


ولما تلاقينا جرت من جفوننا     دموع وزعنا غربها بالأصابع

وقال آخر :


وقد لاح في عارضيك المشيب     ومثلك بالشيب قد يوزع

وقال آخر :


ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى     من الناس إلا وافر العقل كامله

وقال آخر :


امنع فؤادك أن يميل بك الهوى     واشدد يديك بحبل دينك واتزع

وروى محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : لما وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي طوى - يعني يوم الفتح - قال أبو قحافة - وقد كف يومئذ بصره - لابنته : اظهري بي على أبي قبيس ، قالت : فأشرفت به عليه ، فقال : ما ترين ؟ قالت : [ ص: 118 ] أرى سوادا مجتمعا ، قال : تلك الخيل ، قالت : وأرى رجلا بين السواد مقبلا ومدبرا ، قال : ذلك الوازع يمنعها أن تنتشر ، وذكر تمام الحديث .

وأخبرنا إبراهيم بن شاكر ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق القاضي ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الأصبغ الإمام بمصر ، قال : حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج ، قال : حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر ، قال : حدثنا ابن القاسم ، قال : حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول : ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن - أي من الناس - قال : قلت لمالك ما يزع ، قال : يكف ، وذكر الحسن بن علي الحلواني في كتاب المعرفة له ، قال : حدثنا عفان ، قال : أخبرنا إسماعيل يعني ابن علية ، عن ابن عون ، قال : سمعت الحسن وهو في مجلس قضائه ، فلما رأى ما يصنع الناس ، قال : والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة ، قال إسماعيل : يزعونهم أي يمنعونهم ، ومنه الحديث الذي حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي أن أباه حدثه ، قال : حدثنا عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا بقي بن مخلد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : أخبرنا حسين بن محمد ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه رأى رؤيا كأن ملكا انطلق به إلى النار ، فلقيه ملك آخر ، وهو يزعه ، فقال : لم تزع هذا ؟ نعم الرجل لو كان يصلي من الليل ، قال : فكان بعد ذلك يطيل الصلاة بالليل ، ومنه الحديث الذي يروى عن أبي بكر الصديق إن صح عنه أنه قال : لا أقيد من وزعة الله ، قال : ذاك في بعض عماله .

[ ص: 119 ] وقد رويت آثار في معنى حديث إبراهيم بن أبي عبلة هذا في يوم عرفة ، أنا ذاكر منها ما حضرني ذكره بحسن عون ربي لا إلاه إلا هو .

حدثنا أبو القاسم أحمد بن فتح ، قال : حدثنا حمزة بن محمد الحافظ بمصر ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا أحمد بن عيسى ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنا مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن يونس ، وهو ابن يوسف ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قالت عائشة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ما من يوم يعتق الله فيه أكثر من يوم عرفة وأخبرنا أحمد بن فتح بن عبد الله ، قال : حدثنا حمزة الكناني ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : حدثنا عيسى بن إبراهيم ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن يونس وهو ابن يوسف ، عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة .

[ ص: 120 ] وهذا يدل على أنهم مغفور لهم ; لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران ، والله أعلم .

وروى ابن المبارك ، عن أبي بكر بن عثمان ، قال : حدثني أبو عقيل ، عن عائشة قالت : يوم عرفة يوم المباهاة ، قيل لها : وما يوم المباهاة ؟ قالت : ينزل الله يوم عرفة إلى السماء الدنيا ثم يدعو ملائكته ويقول : انظروا إلى عبادي شعثا غبرا بعثت إليهم رسولا ، فآمنوا به ، وبعثت إليهم كتابا ، فآمنوا به ، يأتونني من كل فج عميق ، يسألوني أن أعتقهم من النار ، فقد أعتقتهم ، فلم ير يوم أكثر أن يعتق فيه من النار من يوم عرفة .

حدثنا يعيش بن سعيد الوراق ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا مرزوق مولى طلحة ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا يباهي بهم الملائكة ، فيقول انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا من كل فج عميق ، أشهدكم أني قد غفرت لهم ، فتقول الملائكة : يا رب فلان وفلان هو ، قال : فيقول قد غفرت لهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة .

وروى ابن جريج ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغفرة تنزل على أهل عرفة مع الحركة الأولى [ ص: 121 ] فإذا كانت الدفعة العظمى فعند ذلك يضع إبليس التراب على رأسه يدعو بالويل والثبور ، قال : فيجتمع إليه شياطينه ، فيقولون ما لك ؟ فيقول : قوم فتنتهم منذ ستين سنة وسبعين سنة غفر لهم في طرفة عين .

وقال مجاهد : كانوا يرون أن الرحمة تنزل عند دفعة الإمام عشية عرفة .

أخبرنا أبو محمد قاسم بن محمد ، قال : حدثنا خالد بن سعد ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور ، وحدثنا أبو عبد الله عبيد بن محمد ، قال : أخبرنا عبد الله بن مسرور ، قال : أخبرنا عيسى بن مسكين ، قالا : حدثنا محمد بن سنجر ، قال : حدثنا الفضل بن دكين ، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء ، يقول لهم : انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا أشهدكم أني قد غفرت لهم .

[ ص: 122 ] أخبرنا عبيد بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله بن مسرور ، قال : حدثنا عيسى بن مسكين ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني ، وأخبرنا سلمة بن سعيد ، ومحمد بن خليفة ، قالا : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا الحسن بن الحباب أبو علي المقري ، قال : حدثنا الحسين بن عرفة ، قالا : حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي ، قال : حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي ، قال : حدثني ابن لكنانة بن عباس بن مرداس ، عن أبيه ، عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة ، والرحمة ، فأكثر الدعاء ، فأجابه الله إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا ، فأما ذنوبهم بيني وبينهم فقد غفرتها لهم ، فقال : أي رب إنك قادر أن تثيب هذا المظلوم خيرا من مظلمته ، وتغفر لهذا الظالم قال فلم [ ص: 123 ] يجبه تلك العشية ، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء ، فأجابه : إني قد غفرت لهم ، قال : ثم تبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له أصحابه : يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها ، قال : تبسمت من عدو الله إبليس لما عرف أنه قد استجاب الله لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثي التراب على رأسه .

حدثنا أبو عثمان سعيد بن سيد ، قال : حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبيد الله بن أبي عيسى ، قال : حدثنا أبو عثمان سعيد بن فحلون ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبيد البصري ، قال : حدثنا ابن أبي الشوارب القرشي الأموي ، قال : أخبرنا عبد القاهر بن السري السلمي ، قال : حدثنا ابن لكنانة بن عباس بن مرداس السلمي ، عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة ، فأجابه الله إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا ، فلما كان [ ص: 124 ] غداة المزدلفة أعاد الدعاء ، فقال : يا رب إنك قادر أن تثيب المظلوم خيرا من مظلمته ، وتعفو عن الظالم ، فأجابه الله إنى قد فعلت ، ثم التفت إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متبسما ، فقلنا : يا نبي الله ما الذي أضحكك ؟ قال : إن إبليس عدو الله لما علم أن الله عز وجل قد شفعني في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثو التراب على رأسه .

وروى مسلم بن إبراهيم ، قال : أخبرنا كعب بن فروخ الرقاشي ، قال : حدثنا قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ليس يوم أكثر عتيقا من يوم عرفة ، هكذا ذكره موقوفا ، وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني ، قال : حدثنا أبو جعفر بن وهب المسعري ، قال : حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي ، قال : حدثنا سلمة بن بخت ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إن يوم عرفة يوم يباهي الله ملائكته في السماء بأهل الأرض ، يقول تبارك وتعالى : عبادي جاءوني شعثا غبرا آمنوا بي ، ولم يروني ، وعزتي لأغفرن لهم ، وهو يوم الحج الأكبر .

[ ص: 125 ] قال أبو عمر : اختلف في تأويل قول الله عز وجل يوم الحج الأكبر ، فقيل : يوم عرفة ، وقيل : يوم النحر ، قال بهذا جماعة وبهذا جماعة ، روي من حديث عمرو بن مرة ، عن مرة بن شراحيل ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة غداة يوم النحر على ناقة حمراء ، فقال : هل تدرون أي يوم هذا ؟ هذا يوم الحج الأكبر ، رواه شعبة وغيره ، عن عمرو بن مرة ، ومن حديث أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن يوم الحج الأكبر فقال : يوم النحر ، وروى جعفر بن أبي وحشية ، عن سعيد بن جبير : الحج الأكبر يوم النحر ، وروى عاصم بن حكيم ، عن مجاهد في يوم الحج الأكبر ، قال : حين الحج أيامه كلها ، وابن جريج ، عن مجاهد مثله ، وقال معمر ، عن الحسن إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود ، وقال ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه قيل له : ما الحج الأكبر ؟ قال : يوم عرفة ، وهو اليوم الأكبر عرفة .

[ ص: 126 ] قال أبو عمر : روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : يوم الحج الأكبر يوم عرفة وهو قول ابن عباس ، وطاوس ، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : يوم الحج الأكبر يوم النحر من حديث علي وأبي هريرة ، وابن عمر ، ورجل من أصحاب النبي عليه السلام .

ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن يوم الحج الأكبر يوم النحر ، واختلف أصحاب الشافعي في ذلك ، فقالت طائفة منهم : يوم الحج الأكبر يوم عرفة ، وقال بعضهم يوم النحر ، وكذلك اختلف أصحاب أبي حنيفة ، وليس عنه شيء منصوص ، وذكر الثوري في جامعه في يوم الحج الأكبر ، قال : حدثنا ليث ، عن مجاهد ، قال : الحج الأكبر يوم النحر ، والحج الأصغر العمرة ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال : حدثنا يحيى بن مالك ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن زبر ، قال : حدثنا محمد بن خريم ، قال : حدثنا أبو عبد الغني الحسن بن علي ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج المخلص ، وإذا كانت ليلة مزدلفة غفر الله للتجار ، وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين ، وإذا كان عند جمرة العقبة غفر الله للسؤال ، ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال : لا إله إلا الله إلا غفر له .

[ ص: 127 ] وحدثنا محمد بن خلف بن قاسم ، حدثنا علي بن الحسين بن بندار ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز بن مروان ، قال : سمعت الحسن بن علي بن معان الصنعاني ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا كان يوم عرفة ، وذكر الحديث مثله سواء .

وحدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد القاضي ، وعلي بن محمد بن إسماعيل الطوسي بمكة قالا : حدثنا محمد بن خريم ، حدثنا أبو عبد الغني الحسن بن علي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج ، وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار ، وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين ، وإذا كان عند جمرة العقبة غفر الله للسؤال ، ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال : لا إله إلا الله إلا غفر له .

قال أبو عمر : هذا حديث غريب من حديث مالك ، وليس محفوظا عنه إلا من هذا الوجه وأبو عبد الغني لا أعرفه ، وأهل العلم ما زالوا يسامحون أنفسهم في رواية الرغائب والفضائل عن كل أحد ، وإنما كانوا يتشددون ، في أحاديث الأحكام .

أخبرنا علي بن إبراهيم ، قال : حدثنا الحسن بن رشيق ، قال : حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ، قال : حدثنا محمد بن عمرو العربي ، قال : حدثنا [ ص: 128 ] عطاف بن خالد المخزومي ، عن إسماعيل بن رافع ، عن أنس بن مالك ، قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الخيف قاعدا ، فأتاه رجل من الأنصار ، ورجل من ثقيف ، فذكر حديثا فيه طول ، وفيه : وأما وقوفك عشية عرفة ، فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا ثم يباهي بكم الملائكة ، فيقول هؤلاء عبادي جاءوني شعثا سفعا يرجون رحمتي ، ومغفرتي ، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل ، وكعدد القطر ، وكزبد البحر لغفرتها ، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له ، وذكر تمام الحديث .

وأخبرنا علي بن إبراهيم بن أحمد بن حمويه ، قال : حدثنا الحسن بن رشيق ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد البرذعي بمكة سنة ثلاثمائة ، قال : حدثنا علي بن موفق البغدادي ، قال : حدثنا أحمد بن شبويه المروزي ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن سفيان الثوري ، عن الزبير بن عدي ، عن أنس بن مالك قال : وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات ، وكادت الشمس أن تئوب ، فقال : يا بلال أنصت لي الناس ، فقام بلال ، فقال : أنصتوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنصت الناس ، فقال : معاشر الناس أتاني جبريل آنفا ، فأقرأني من ربي السلام ، وقال إن الله غفر لأهل عرفات ، وأهل المشعر ، وضمن عنهم التبعات ، فقام [ ص: 129 ] عمر بن الخطاب ، فقال : يا رسول الله هذا لنا خاص ؟ فقال : هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة ، فقال عمر - رضي الله عنه - : كثر خير الله وطاب .

وروي عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه رأى سائلا يسأل يوم عرفة ، فقال : يا عاجز ، في هذا اليوم تسأل غير الله ، وذكر المدائني فقال : خطب عمر بن عبد العزيز بعرفة ، فقال : إنكم قد جئتم من القريب ، والبعيد ، وأنضيتم الظهر ، وأخلقتم الثياب ، وليس السابق اليوم من سبقت دابته وراحلته ، وإنما السابق اليوم من غفر له ، وروى سفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن ابن سيرين ، قال : كانوا يرجون في ذلك الموقف للحمل في بطن أمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث