الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة

المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر ، ومنهم من قال : اسمه تارح . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح ، ومن الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن . وقال : هذا النسب خطأ وليس بصواب ، وللعلماء ههنا مقامان :

المقام الأول : أن اسم والد إبراهيم - عليه السلام - هو آزر ، وأما قولهم : أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح ؛ فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما حصل لأن بعضهم يقلد بعضا ، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب وغيرهما ، وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى ، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن .

المقام الثاني : سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا ههنا وجوه :

الوجه الأول : لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين ، فيحتمل أن يقال : إن اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقبا له ، فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم . فالله تعالى ذكره بالاسم ، ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أن تارح كان اسما أصليا ، وآزر كان لقبا غالبا . فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب .

[ ص: 32 ]

الوجه الثاني : أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتهم ، فقيل : إن آزر اسم ذم في لغتهم وهو المخطئ كأنه قيل ، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ ؛ كأنه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق ، وقيل : آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية ، وهو أيضا فارسية أصلية .

واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب .

والوجه الثالث : أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم ، وإنما سماه الله بهذا الاسم لوجهين :

أحدهما : أنه جعل نفسه مختصا بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب . قال الله تعالى : ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) [ الإسراء : 71 ] .

وثانيها : أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .

الوجه الرابع : أن والد إبراهيم - عليه السلام - كان تارح ، وآزر كان عما له ، والعم قد يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا : ( نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) [ البقرة : 133 ] ومعلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب . وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ههنا .

واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر ، وهذا الدليل لم يوجد البتة ، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات ، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإظهار بغضه ، فلو كان هذا النسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث