الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المسألة الرابعة عشرة في صفة البيعة لمن أسلم من الكفار ; وذلك لأنها كانت في صدر الإسلام منقولة وهي اليوم مكتوبة ; إذ كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتب إلا القرآن .

وقد اختلف في السنة على ما بيناه في أصول الفقه وغيرها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتب أصحابه ولا يجمعهم له ديوان حافظ ، اللهم إلا أنه قال يوما : { اكتبوا لي من [ ص: 204 ] يلفظ بالإسلام لأمر عرض له } . فأما اليوم فيكتب إسلام الكفرة ، كما يكتب سائر معالم الدين المهمة والتوابع منها لضرورة حفظها حين فسد الناس وخفت أمانتهم ، ومرج أمرهم ، ونسخة ما يكتب : بسم الله الرحمن الرحيم : لله أسلم فلان بن فلان من أهل أرض كذا ، وآمن به وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وشهد له بشهادة الصدق ، وأقر بدعوة الحق : لا إله إلا الله محمد رسول الله . والتزم الصلوات الخمس بأركانها وأوصافها ، وأدى الزكاة بشروطها ، وصوم رمضان ، والحج إلى البيت الحرام ، إذا استطاع إليه سبيلا ، ويغتسل من الجنابة ، ويتوضأ من الحدث ، وخلع الأنداد من دون الله ، وتحقق أن الله وحده لا شريك له .

وإن كان نصرانيا قلت : وإن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه .

وإن كان يهوديا قلت : وإن العزير عبد الله وإن كان صابئا قلت : وإن الملائكة عبيد الله ورسله الكرام وكتابه البررة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

وإن كان هنديا قلت : [ وإن ] ماني باطل محض ، وبهتان صرف ، وكذب مختلق مزور . وكذلك من كان على مذهب من الكفر اعتمدته بالبراءة منه بالذكر .

وتقول بعده : سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، { إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا } { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } .

تعالى وتقدس عن ذلك كله ، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا . والتزم ألا يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا يسرق ، ولا يزني ، ولا يشرب الخمر ، ولا يتكلم بالزور ، ويكون مع إخوانه المؤمنين كأحدهم ، ولا يسلمهم ولا يسلمونه ، ولا يظلمهم ولا يظلمونه ، وعلم أن للدين فرائض وشرائع وسننا ، فعاهد الله على أن يلتزم كل خصلة منها على نعتها بقلب سليم وسنن قويم [ ص: 205 ] والله يهدي من يشاء إلى ما شاء إلى صراط مستقيم وشهد أنه { من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } شهد على فلان بن فلان من أشهد عليه ، وهو صحيح العقل في شهر كذا .

وقد أدرك التقصير جملة من المؤرخين ، وكتبوا معالم الأمر دون وظائف النهي ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر في بيعته الوجهين ، أو يغلب ذكر وظائف النهي ، كما جاء في القرآن .

وكتبوا أنه أسلم طوعا ، وكتبوا : وكان إسلامه على يدي فلان ، وكتبوا أنه اغتسل وصلى .

فأما قولهم : وكان إسلامه طوعا فباطل ، فإنه لو أسلم مكرها لصح إسلامه ولزمه ، وقتل بالردة . وقد بينا ذلك في قوله : { لا إكراه في الدين } ; والكفار إنما يقاتلون قسرا على الإسلام فيستخرج منهم بالسيف . والإمام مخير بين قتل الأسرى أو مفاداتهم بالخمسة الأوجه المتقدمة فيهم ; فإذا أسلم سقط حكم السيف عنه .

وفي الصحيح : { عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل } .

وكذلك الذمي لو جنى جناية فخاف من موجبها القتل والضرب فأسلم سقط عنه الضرب والقتل ، وكان إسلامه كرها ، وحكم بصحته ، وإنما يكون الإكراه المسقط للإسلام إذا كان ظلما وباطلا ، مثل أن يقال للذمي [ ابتداء ] من غير جناية ولا سبب : أسلم ، وإلا قتلتك ; فهذا لا يجوز ; فإن أسلم لم يلزمه ، وجاز له الرجوع إلى دينه عند أمنه مما خاف منه . وإذا ادعى الذمي أنه أكره بالباطل لزمه إثبات ذلك ، فلا حاجة إلى ذكر الطواعية بوجه ولا حال في كل كافر . والله أعلم .

وأما قولهم : كان إسلامه على يد فلان فأنى علقوها ، ويشبه أن يكونوا رأوه في كتب المخالفين ; لأنهم يذكرون ذلك في شروطهم لعلة أنهم يرون الرجل إذا أسلم على [ ص: 206 ] يدي الرجل كان له ولاؤه ، وذلك مما ليس بمذهب لنا . وقد بينا فساده في مسائل الخلاف وغيرها .

وأما قولهم : اغتسل وصلى ، فليس يحتاج إليه في العقد المكتوب ; لأنه إن لم يكن وقت صلاة ، فلا غسل عليه ولا وضوء ; لأنه ليس عليه صلاة .

وأما إذا كان وقت صلاة فيؤمر بالغسل والصلاة فيفعلهما ، ولا يكون ذلك مكتوبا . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث