الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا

[ ص: 21 ] ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا .

لما استقصى أكثر معاذيرهم وتعللاتهم وألقمهم أحجار الرد إلى لهواتهم عطف على ذلك فذلكة جامعة تعم ما تقدم وما عسى أن يأتوا به من الشكوك والتمويه بأن كل ذلك مدحوض بالحجة الواضحة الكاشفة لترهاتهم .

والمثل : المشابه . وفعل الإتيان مجاز في أقوالهم والمحاجة به ، وتنكير ( مثل ) في سياق النفي للتعميم ، أي بكل مثل . والمقصود : مثل من نوع ما تقدم من أمثالهم المتقدمة ابتداء من قوله : ( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) ، ( وقالوا أساطير الأولين ) بقرينة سوق هذه الجملة عقب استقصاء شبهتهم ، ( وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ) ، ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) ، ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة ) ، ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) . ودل على إرادة هذا المعنى من قوله : ( بمثل ) قوله آنفا : ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) عقب قوله : ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) . وتعدية فعل ( يأتونك ) إلى ضمير النبيء صلى الله عليه وسلم لإفادة أن إتيانهم بالأمثال يقصدون به أن يفحموه .

والإتيان مستعمل مجازا في الإظهار . والمعنى : لا يأتونك بشبه يشبهون به حالا من أحوالك يبتغون إظهار أن حالك لا يشبه حال رسول من الله إلا أبطلنا تشبيههم وأريناهم أن حالة الرسالة عن الله لا تلازم ما زعموه سواء كان ما أتوا به تشبيها صريحا بأحوال غير الرسل كقولهم : ( أساطير الأولين اكتتبها ) وقولهم : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ، وقولهم : ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) ، أم كان نفي مشابهة حاله بأحوال الرسل في زعمهم ، فإن نفي مشابهة الشيء يقتضي إثبات ضده كقولهم : ( لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ) وكذلك قولهم : ( لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) إذا كانوا قالوه على معنى أنه مخالف لحال نزول التوراة والإنجيل . فهذا نفي تمثيل حال الرسول صلى الله عليه وسلم بحال الرسل الأسبقين في زعمهم ، ويدخل في هذا النوع ما يزعمون أنه تقتضيه النبوءة من المكانة عند الله أن يسأله ، فيجاب إليه كقولهم : ( لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ) .

[ ص: 22 ] وصيغة المضارع في قوله : ولا يأتونك تشمل ما عسى أن يأتوا به من هذا النوع كقولهم : ( أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ) .

والاستثناء في قوله ( إلا جئناك بالحق ) استثناء من أحوال عامة يقتضيها عموم الأمثال ؛ لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال .

وجملة ( جئناك ) حالية كما تقدم في قوله : ( كبيرا وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ) .

وقوله : ( جئناك بالحق ) مقابل قوله : ( ولا يأتونك بمثل ) وهو مجيء مجازي . ومقابلة ( جئناك بالحق ) لقوله : ( ولا يأتونك بمثل ) إشارة إلى أن ما يأتون به باطل . مثال ذلك أن قولهم : ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ، أبطله قوله : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) .

والتعبير في جانب ما يؤيده الله من الحجة بـ ( جئناك ) دون : أتيناك ، كما عبر عما يجيئون به بـ ( يأتونك ) ، إما لمجرد التفنن ، وإما لأن فعل الإتيان إذا استعمل مجازا كثر فيما يسوء وما يكره ، كالوعيد والهجاء ، قال شقيق بن شريك الأسدي :


أتاني من أبي أنس وعـيد فسل لغيظة الضحاك جسمي

وقول النابغة :


أتاني أبيت اللعن أنك لمتني

وقوله :


فليأتينك قصائد وليدفعن     جيشا إليك قوادم الأكوار

يريد قصائد الهجاء . وقول الملائكة للوط : ( وأتيناك بالحق ) أي : عذاب قومه ولذلك قالوا له في المجيء الحقيقي : ( بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ) . وتقدم في سورة الحجر ، وقال الله تعالى : ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ) ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) ، ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) . بخلاف فعل المجيء إذا [ ص: 23 ] استعمل في مجازه ، فأكثر ما يستعمل في وصول الخير والوعد والنصر والشيء العظيم ، قال تعالى : ( قد جاءكم برهان من ربكم ) ، ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) ، ( إذا جاء نصر الله ) ، وفي حديث الإسراء : . . مرحبا به ونعم المجيء جاء ، ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ) ، وقد يكون متعلق الفعل ذا وجهين باختلاف الاعتبار فيطلق كلا الفعلين نحو ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ) ، فإن الأمر هنا منظور فيه إلى كونه تأييدا نافعا لنوح .

والتفسير : البيان والكشف عن المعنى ، وقد تقدم ما يتعلق به مفصلا في المقدمة الأولى من مقدمات هذا الكتاب ، والمراد هنا كشف الحجة والدليل .

ومعنى كونه أحسن ، أنه أحق في الاستدلال ، فالتفضيل للمبالغة ؛ إذ ليس في حجتهم حسن أو يراد بالحسن ما يبدو من بهرجة سفسطتهم وشبههم فيجيء الكشف عن الحق أحسن وقعا في نفوس السامعين من مغالطاتهم ، فيكون التفضيل بهذا الوجه على حقيقته ، فهذه نكتة من دقائق الاستعمال ودقائق التنزيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث