الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما

قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما .

لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن ، وما تضمنته من توحيد الله ، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعللاتهم ، وأحوال المؤمنين ، وأقيمت الحجج الدامغة للمعرضين ، ختمت بأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتوركهم في مجادلته ؛ فبين لهم حقارتهم عند الله تعالى ، وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمة منه بهم لإصلاح حالهم وقطعا لعذرهم فإذ كذبوا فسوف يحل بهم العذاب .

و ( ما ) من قوله ( ما يعبأ ) نافية . وتركيب : ما يعبأ به ، يدل على التحقير وضده عبأ به يفيد الحفاوة .

ومعنى ( ما يعبأ ) : ما يبالي وما يهتم ، وهو مضارع عبأ مثل : ملأ يملأ مشتق من العبء بكسر العين وهو الحمل بكسر الحاء وسكون الميم ، أي الشيء الثقيل الذي يحمل على البعير ولذلك يطلق العبء على العدل بكسر فسكون ، ثم تشعبت عن هذا إطلاقات كثيرة . فأصل ( ما يعبأ ) : ما يحمل عبئا ، تمثيلا بحالة المتعب من الشيء ، فصار المقصود : ما يهتم وما يكترث ، وهو كناية عن قلة العناية .

[ ص: 86 ] والباء فيه للسببية ، أي بسببكم وهو على حذف مضاف يدل عليه مقام الكلام . فالتقدير هنا : ما يعبأ بخطابكم .

والدعاء : الدعوة إلى شيء ، وهو هنا مضاف إلى مفعوله ، والفاعل يدل عليه ( ربي ) أي : لولا دعاؤه إياكم ، أي : لولا أنه يدعوكم . وحذف متعلق الدعاء لظهوره من قوله : ( فقد كذبتم ) ، أي : الداعي وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام . والمعنى : أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع ولا اعتزاز بكم . وهذا كقوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) .

وضمير الخطاب في قوله : ( دعاؤكم ) موجه إلى المشركين بدليل تفريع ( فقد كذبتم ) عليه وهو تهديد لهم ، أي : فقد كذبتم الداعي وهو الرسول - عليه الصلاة والسلام . وهذا التفسير هو الذي يقتضيه المعنى ، ويؤيده قول مجاهد والكلبي والفراء . وقد فسر بعض المفسرين الدعاء بالعبادة فجعلوا الخطاب موجها إلى المسلمين فترتب على ذلك التفسير تكلفات وقد أغنى عن التعرض إليها اعتماد المعنى الصحيح فمن شاء فلينظرها بتأمل ليعلم أنها لا داعي إليها .

وتفريع ( فقد كذبتم ) على قوله : ( لولا دعاؤكم ) ، والتقدير : فقد دعاكم إلى الإسلام فكذبتم الذي دعاكم على لسانه .

والضمير في ( يكون ) عائد إلى التكذيب المأخوذ من ( كذبتم ) ، أي سوف يكون تكذيبهم لزاما لكم ، أي لازما لا انفكاك لكم منه . وهذا تهديد بعواقب التكذيب تهديدا مهولا بما فيه من الإبهام كما تقول للجاني : قد جعلت كذا فسوف تتحمل ما فعلت . ودخل في هذا الوعيد ما يحل بهم في الدنيا من قتل وأسر وهزيمة وما يحل بهم في الآخرة من العذاب .

واللزام : مصدر لازم ، وقد صيغ على زنة المفاعلة لإفادة اللزوم ، أي عدم المفارقة ، قال تعالى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ) في سورة طه . والضمير المستتر في ( كان ) عائد إلى عذاب الآخرة في قوله : ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) فالإخبار باللزام من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة . وقد اجتمع فيه [ ص: 87 ] مبالغتان : مبالغة في صيغته تفيد قوة لزومه ، ومبالغة في الإخبار به تفيد تحقيق ثبوت الوصف .

وعن ابن مسعود وأبي بن كعب : اللزام : عذاب يوم بدر . ومرادهما بذلك أنه جزئي من جزيئات اللزام الموعود لهم . ولعل ذلك شاع حتى صار اللزام كالعلم بالغلبة على يوم بدر . وفي الصحيح عن ابن مسعود : خمس قد مضين : الدخان ، والقمر ، والروم ، والبطشة ، واللزام . يعني أن اللزام غير عذاب الآخرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث