الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المسألة الثانية قوله تعالى : { لينفق ذو سعة من سعته } : هذا يفيد أن النفقة ليست مقدرة شرعا ، وإنما تتقدر عادة بحسب الحالة من المنفق والحالة من المنفق عليه ، فتقدر بالاجتهاد على مجرى العادة .

وقد فرض عمر للمنفوس مائة درهم في العام بالحجاز ، والقوت بها محبوب ، والميرة عنه بعيدة ، وينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق عليه ، ثم ينظر إلى حالة المنفق ; فإن احتملت الحالة الحاجة أمضاها عليه ، وإن قصرت حالته عن حالة المنفق عليه ردها إلى قدر احتمال حاله لقوله تعالى وهي : المسألة الثالثة { ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا [ ص: 250 ] إلا ما آتاها } ; فإذا كان للعبد ما يكفيه ، ويفضل عنه فضل أخذه ولده ، ومن يجب عليه الإنفاق ; وإنما يبدأ به أولا ، لكن لا يرتفع له ; بل يقدر له الوسط ، حتى إذا استوفاه عاد الفضل إلى سواه .

والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند { : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } ; فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان الواجب عليه بطلبها المسألة الرابعة في تقدير الإنفاق : قد بينا أنه ليس له تقدير شرعي ، وإنما أحاله الله سبحانه على العادة ، وهي دليل أصولي بنى الله عليه الأحكام ، وربط به الحلال والحرام ; وقد أحاله الله على العادة فيه في الكفارة ، فقال : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم } .

وقال : { فإطعام ستين مسكينا } .

وقد تكلمنا عليه في موضعه ، وقدرنا للكبير نفقة لشبعه وكسوته وملاءته .

وأما الصغير الذي لا يأكل الطعام فلأمه أجرها بالمثل إذا شطت على الأب ، والمفتون منا يقدرونها بالطعام والإدام ، وليس لها تقدير إلا بالمثل من الدراهم لا من الطعام . وأما إذا أكل فيفرض له قدر مأكله وملبسه على قدر الحال . كما قدمنا .

وفرض عمر للمنفوس مائة درهم ، وفرض له عثمان خمسين درهما . واحتمل أن يكون هذا الاختلاف بحسب حال السنين ، أو بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت والملبس .

وقد روى نافع عن ابن عمر أن عمر كان لا يفرض للمولود حتى يطعم ، ثم أمر مناديا فنادى : لا تعجلوا أولادكم عن الفطام ، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام .

وقد روى محمد بن هلال المزني قال : حدثني أبي وجدتي أنها كانت ترد على عثمان ففقدها ، فقال لأهله : مالي لا أرى فلانة ؟ فقالت امرأته : يا أمير المؤمنين ، ولدت الليلة ، فبعث إليها بخمسين درهما وشقيقة أنبجانية ثم قال : هذا عطاء ابنك ، وهذه كسوته ، فإذا مرت له سنة رفعناه إلى مائة . [ ص: 251 ] وقد أتى علي بن أبي طالب بمنبوذ ، ففرض له مائة .

وقال القاضي : هذا الفرض قبل الفطام مما اختلف فيه العلماء ، فمنهم من رآه مستحبا ; لأنه داخل في حكم الآية ، ومنهم من رآه واجبا لما تجدد من حاجته وعرض من مؤنته ، وبه أقول ; ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة ، وبحاله عند الفطام . وقد روى سفيان بن وهب أن عمر أخذ المد بيد والقسط بيد ، وقال : إني فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل ، وقسطي زيت . زاد غيره ، وقال : إنا قد أجزنا لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر . فمن انتقصها فعل الله به كذا وكذا ، ودعا عليه .

قال أبو الدرداء : كم سنة راشدة مهدية قد سنها عمر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم [ والمد ] والقسط كيلان شاميان في الطعام والإدام ، وقد درسا بعرف آخر ; فأما المد فدرس إلى الكيلجة ، وأما القسط فدرس إلى الكيل ، ولكن التقدير فيه عندنا ربعان في الطعام ، وثمنان في الإدام ، وأما الكسوة فبقدر العادة قميص وسراويل ، وجبة في الشتاء وكساء وإزار وحصير . وهذا الأصل ، ويتزيد بحسب الأحوال والعادة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث