الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنبيهات البول هل يعفى عن يسيره

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وندب غسل إناء ماء ويراق لا طعام وحوض سبعا )

ش : لما ذكر حكم النجاسة وما يتعلق بها وبين ما يعفى عنه وما لا يعفى عنه [ ص: 175 ] وحكم الشك تعرض هنا لحكم غسل الإناء من ولوغ الكلب إذ قد صح عنه عليه الصلاة والسلام الأمر بغسل الإناء من ولوغه وتردد العلماء في ذلك هل هو واجب ، أو مستحب وهل هو للنجاسة ، أو تعبد فحسن من أجل ذلك ذكره بأثر الكلام على إزالة النجاسة ، والحديث رواه مالك في الموطإ والبخاري ومسلم وغيرها بروايات متعددة ففي الموطإ وصحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قال : إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات } هذا لفظ الموطإ ولفظ البخاري سبعا ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرار } ، وفي لفظ آخر { طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب } . وفي رواية { إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب } ، وفي سنن الترمذي { يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن بالتراب }

وفي سنن أبي داود { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب } وروي بألفاظ أخر واختلف هل الأمر على الوجوب ، أو الندب بناء على أن الأمر المطلق هل يحمل على الوجوب ، أو الندب ، أو نقول : هو للوجوب ولكن هنا قرينة صارفة للأمر عن ظاهره وهي قيام الدليل على طهارة الكلب ، قال ابن بشير والذي في المدونة الندب ، أخذه من قوله في المدونة : وإن ولغ الكلب في لبن ، أو طعام أكل ولا يغسل منه الإناء ، وإن كان يغسل سبعا للحديث ففي الماء وحده وكان يضعفه ، وقال قد جاء هذا الحديث ، ولا أدري ما حقيقته وكان يرى الكلب كأنه من أهل البيت ليس كغيره من السباع فإنه جعل المعنى يضعف الوجوب ، قال ابن ناجي : قال عياض : تنوزع كثيرا في الضمير من قوله يضعفه فقيل : أراد تضعيف الحديث ; لأنه خبر واحد ظاهره نجاسة الكلب وعارض قوله تعالى { فكلوا مما أمسكن عليكم } ، وقيل : أراد تضعيف الوجوب ، وقيل : توقيت العدد والأشبه عندي أن يريد الوجوب كما نحا إليه القابسي انتهى .

وما اختاره عياض قال في التوضيح : هو الأشهر ولا يخفى ما في الوجهين الأخيرين من الضعف ; لأن الحديث صحيح ومعارضة الآية منتفية لإمكان حمل الحديث على النهي عن اتخاذه ، والمراد بالآية بعد غسل الصيد ، أو تقييد الحديث بالماء فقط انتهى بالمعنى .

وفهم سند الاستحباب إن كان نفي الماء وحده قال : فإنه يقيم منه الترخيص وعدم التحتم وظاهر كلام ابن الحاجب أن الاستحباب والوجوب روايتان ، قال : وفي وجوبه وندبه روايتان ، قال ابن فرحون : وظاهر كلام القاضي عبد الوهاب أنهما مستنبطان فالاستحباب مما تقدم والوجوب تعلقا بظاهر الأمر ، وظاهر كلام ابن عرفة كابن الحاجب قال : ويغسل الإناء لولوغ الكلب من مائه سبعا ندبا وروي وجوبا واقتصر صاحب التلقين على القول بالندب واقتصر صاحب الإرشاد على القول بالوجوب وبه جزم صاحب الوافي ، وقال القرافي إنه ظاهر المذهب ، والله أعلم .

وقوله إناء ماء يعني أن استحباب الغسل مختص بما إذا ولغ في إناء فيه ماء . وأما إذا ولغ في إناء فيه طعام ، أو ما ليس في إناء بل في حوض ، أو بركة فإنه لا يندب غسل إناء الطعام ، ولا الحوض هذا هو المشهور . وروى ابن وهب يغسل إناء الطعام أيضا قال في التوضيح : بنى المازري الخلاف على خلاف أهل الأصول في تخصيص العموم بالعادة إذ الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام قال ابن هارون ويحتمل أن يبني على أن الولوغ هل يختص بالماء ، أو يستعمل فيه ، وفي غيره وجزم ابن رشد ببنائه على الثاني واستظهر ابن عبد السلام الثاني وذكر البرزلي أنه المشهور ووجه سند المشهور بأن الغسل تعبد ; لأن لعاب الكلب طاهر فيختص بما ورد فيه ، وقوله : { إذا ولغ [ ص: 176 ] الكلب في إناء أحدكم } إنما ينصرف إلى الأغلب والأغلب أن الأواني التي تبتذلها الكلاب هي أواني الماء لا أواني الزيت والعسل وشبهه من الطعام فإنها مصانة في العادة .

( فرع ) قال ابن عرفة : وعلى غسل إناء الطعام في طرحه ثالثها إن قل لابن رشد عن روايتي ابن وهب وابن القاسم والمازري مع اللخمي عن مطرف وابن الماجشون لا يطرح ، ولو عجن بمائه طرح ; لأنها نجاسة أدخلها المكلف .

( فرع ) قال سند : إذا قلنا بغسل إناء الطعام فلو كان الطعام جامدا فلحس منه الكلب هل يغسل اعتبارا بالمائع ، أو لا يغسل كما لو خطف سهم لحم من الجيفة ، أو طائرا وقع في إناء والظاهر أنه يغسل لعموم الحديث فإن ذلك يعد ولوغا بخلاف ما خطفه وعند الشافعي بغسل جميع ذلك انتهى .

والخلاف في إناء الطعام . وأما الحوض فلم أر فيه خلافا قال في التوضيح الغسل مختص بالإناء فلو ولغ في حوض لم يغسل ; لأنه تعبد قال ابن ناجي وما ذكره لا أعرفه وظاهر المذهب خلافه وإنما ذكر الإناء في الحديث ; لأنه الأعم الأغلب وقاله شيخنا أبو مهدي .

( قلت : ) قال في المدونة قال مالك : ومن توضأ بماء قد ولغ فيه الكلب وصلى أجزأه قال عنه علي : ولا إعادة عليه وإن علم في الوقت قال عنه علي وابن وهب : ولا يعجبني ابتداء الوضوء به إن كان الماء قليلا ، ولا بأس به في الكثير كالحوض ونحوه ، وفي آخر سماع أبي زيد لا بأس بالوضوء من الحياض وإن كانت الكلاب تشرب منها قال ابن رشد ما ذكره صحيح لقول عمر لا تضرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا ولقوله عليه الصلاة والسلام { لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شرابا وطهورا } والكلب أيسر مؤنة من السباع إذ قيل : إنه محمول على الطهارة حتى يوقن أن فيه نجاسة ثم قال : وفي الجلاب أن سؤر الكلب والخنزير مكروهان من الماء إلا أن يكون في خطمهما نجاسة ومعناه إذا شرب من الماء اليسير . وأما إذا شرب من الماء الكثير ، ومن الحوض فلا وجه للكراهة فيه لما ذكرناه ، والله - تعالى - أعلم انتهى .

وقال صاحب الجمع قصر الغسل على إناء الماء صواب لما فيه من التعبد ثم قال : فلو ولغ في حوض ، أو نهر لا يتعدى الحكم إليه ; لأنه تعبد ، أو لكثرته فيضعف الخلاف أو للحمل على الغالب انتهى .

فكلام المدونة والعتبية يدل على أن الإراقة وكراهة استعمال الماء وغسل الإناء إنما ذلك في إناء الماء لا في الحوض وكلام صاحب الجمع صريح في ذلك ، وقوله : " ويراق " يحتمل أن يريد أنه يستحب غسل الإناء بعد أن يراق الماء الذي ولغ فيه الكلب ويحتمل أن يريد أنه يستحب أن يراق الماء الذي ولغ فيه الكلب وهذا هو الظاهر من كلامهم ، والله - تعالى - أعلم .

ولا يراق الطعام هذا هو المشهور وفرق بينهما مالك باستجازة طرح الماء قال وأراه عظيما أن يعمد إلى رزق الله - تعالى - فيلقى لكلب ولغ فيه ، وقيل : يراق الماء والطعام قال في التوضيح بناء على التعليل بالنجاسة ، وقيل : لا يراقان للتعبد ونسب لابن القاسم ، وقيل : سؤر المأذون طاهر وسؤر غيره نجس ، وقيل : يفرق بين البدوي فيحمل على الطهارة والحضري فيحمل على النجاسة ، وقيل : يسير الماء كالطعام ولا يراق الحوض كما تقدم عن المدونة ولم أر فيه خلافا .

( فرع ) قال صاحب الجمع : وهل يشرب ذلك الماء ويؤكل ما عجن به ؟ إن قلنا بأن الغسل تعبد ، أو لتشديد النهي جاز ، وإن قلنا للنجاسة ، أو للقذارة ، أو مخافة الكلب منع انتهى .

وفي المقدمات وعلى القول بأنه يغسل سبعا تعبدا يجوز شربه ، ولا ينبغي الوضوء به إذا وجد غيره للخلاف في نجاسته وعلى أن للنجاسة لا يجوز شربه .

( فرع ) وهل يغسل الإناء بالماء المولوغ فيه ؟ في ذلك قولان حكاهما ابن بشير وابن الحاجب ، وقال في الجواهر : قال القزويني : لا أعلم لأصحابنا نصا في ذلك ، وقال ابن عرفة : القزويني وغيره لا يجزي لمفهوم الحديث ، وفي المقدمات وعلى القول بأنه يغسل للنجاسة [ ص: 177 ] لا يجوز غسل الإناء به ثم قال وعلى القول بالتعبد لا ينبغي غسل الإناء به إذا وجد غيره مراعاة للخلاف . وأما إن لم يجد غيره فقيل إنه يغسل الإناء به كما يتوضأ به والأظهر أنه لا يغسل الإناء به ، وإن كان يتوضأ به ; لأن المفهوم من أمره عليه الصلاة والسلام بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه أن يغسل بغير ذلك الماء ويجوز على قياس هذا أن يغسل من ماء غيره قد ولغ فيه كلب ، انتهى .

وقال سند المستحب أن يغسل الإناء من غير الماء الذي ولغ فيه فإن غسله به فالظاهر أنه يجزيه ; لأنه إذا توضأ به يجزيه فما يصح به طهارة الوضوء يجب أن يصح به غسل الإناء ، ومن يقول إنه نجس يقول إنه لا يجزيه انتهى .

وفي التوضيح الصحيح أنه لا يغسل به لما في مسلم فليرقه ويغسله سبعا والله - تعالى - أعلم . فعلم منه أنه لا يغسل به على الصحيح تعبدا إلا للنجاسة والله - تعالى - أعلم .

( تنبيه ) فارق سؤر الكلب سؤر غيره من الحيوان الذي لا يتوقى النجاسة في الأمر بغسل الإناء منه سبعا وفي إراقته وكراهة الوضوء به وإن علمت طهارته . وأما غيره إن تيقنت طهارة فمه فلا يراق وإن لم يعلم ذلك فيكره له استعماله مع وجود غيره وتقدم أن سؤره أخف من سؤر غيره وأن من توضأ بسؤره لا إعادة عليه في الوقت .

ص ( تعبدا )

ش : يعني أن الغسل المذكور تعبد وهذا هو المشهور من المذهب لطهارة الكلب وقيل لقذارته ، وقيل : لنجاسته وعليهما فكونه سبعا قيل : تعبدا وقيل لتشديد المنع ، وقيل : لأن بعض الصحابة نهوا فلم ينتهوا قبله وهذا غير لائق بالصحابة .

وأجيب بأن المراد به بعض الأعراب الذين لم يتمكن الإسلام من قلوبهم والفرق بين تشديد المنع وكونهم نهوا فلم ينتهوا أن الأول تشديد ابتداء والثاني تشديد بعد تسهيل واختار ابن رشد كون المنع مخافة أن يكون الكلب كلبا فيكون قد داخل من لعابه الماء ما يشبه السم قال ويدل على صحة هذا التأويل تحديده بالسبع ; لأن السبع من العدد مستحب فيما كان طريقه التداوي لا سيما فيما يتوقى منه السم ، وقد قال في مرضه صلى الله عليه وسلم : { هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن } ، وقال : { من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ، ولا سحر } ، قال ابن عرفة : ورد عليه بنقل الأطباء أن الكلب يمتنع من ولوغ الماء ، وأجاب حفيده بأنه إنما يمتنع إذا تمكن منه الكلب أما في أوائله فلا .

( فائدة ) قال في التوضيح كثيرا ما يذكر الفقهاء التعبد ومعنى ذلك الحكم الذي لا يظهر حكمه بالنسبة إلينا مع أنا نجزم أنه لا بد من حكمته وذلك لأنا استقرينا عادة الله تعالى فوجدناه جالبا للمصالح دارئا للمفاسد ولهذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إذا سمعت نداء الله - تعالى - فهو إنما يدعوك لخير أو يصرفك عن شر كإيجاب الزكاة والنفقات لسد الخلات وأرش جبر الجنايات المتلفات وتحريم القتل والزنا والسكر والسرقة والقذف صونا للنفوس والأنساب والعقول والأموال والأعراض عن المفسدات ويقرب لك ما أشرنا إليه مثال في الخارج : إذا رأينا ملكا عادته يكرم العلماء ويهين الجهال ثم أكرم شخصا غلب على ظننا أنه عالم فالله - سبحانه وتعالى - إذا شرع حكما علمنا أنه شرعه لحكمة ثم إن ظهرت لنا فنقول هو معقول المعنى ، وإن لم تظهر فنقول هو تعبد انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث