الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ( 85 ) )

قال أبو جعفر : يقول ، تعالى ذكره : فقال قوم يا موسى لموسى : ( على الله توكلنا ) ، أي به وثقنا ، وإليه فوضنا أمرنا .

وقوله : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) ، يقول جل ثناؤه مخبرا عن قوم موسى أنهم دعوا ربهم فقالوا : يا ربنا لا تختبر هؤلاء القوم الكافرين ، ولا تمتحنهم بنا ! يعنون قوم فرعون .

وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سألوه ربهم من إعاذته ابتلاء قوم فرعون بهم . [ ص: 169 ]

فقال بعضهم : سألوه أن لا يظهرهم عليهم ، فيظنوا أنهم خير منهم ، وأنهم إنما سلطوا عليهم لكرامتهم عليه وهوان الآخرين .

ذكر من قال ذلك :

17783 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن عمران بن حدير عن أبي مجلز في قوله : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) قال : لا يظهروا علينا ، فيروا أنهم خير منا .

17784 - حدثني المثنى قال : حدثنا الحجاج قال : حدثنا حماد عن عمران بن حدير عن أبي مجلز في قوله : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) قال : قالوا : لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا .

17785 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان عن أبيه ، عن أبي الضحى : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) ، قال : لا تسلطهم علينا ، فيزدادوا فتنة .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تسلطهم علينا فيفتنونا .

ذكر من قال ذلك :

17786 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) ، لا تسلطهم علينا فيفتنونا .

17787 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن الزبير عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) قال : لا تسلطهم علينا فيضلونا .

17788 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، مثله وقال أيضا : فيفتنونا .

17789 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل عن [ ص: 170 ] ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) ، لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك ، فيقول قوم فرعون : " لو كانوا على حق ما سلطنا عليهم ولا عذبوا " ، فيفتتنوا بنا .

17790 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قوله : ( لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) ، قال : لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك ، فيقول قوم فرعون : " لو كانوا على حق ما سلطنا عليهم ولا عذبوا " ، فيفتتنوا بنا .

17791 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام عن عنبسة عن محمد بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد قوله : ( لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) ، قال : لا تصبنا بعذاب من عندك ولا بأيديهم ، فيفتتنوا ويقولوا : " لو كانوا على حق ما سلطنا عليهم ولا عذبوا " .

17792 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) ، لا تبتلنا ربنا فتجهدنا ، وتجعله فتنة لهم ، هذه الفتنة . وقرأ : ( فتنة للظالمين ) ، [ سورة الصافات : 63 ] ، قال المشركون ، حين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويرمونهم ، أليس ذلك فتنة لهم وسوءا لهم ، وهي بلية للمؤمنين ؟ .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن القوم رغبوا إلى الله في أن يجيرهم من أن يكونوا محنة لقوم فرعون وبلاء ، وكل ما كان من أمر كان لهم مصدة عن اتباع موسى والإقرار به ، وبما جاءهم به ، فإنه لا شك أنه كان لهم " فتنة " وكان من أعظم الأمور لهم إبعادا من الإيمان بالله ورسوله . وكذلك من المصدة كان لهم عن الإيمان : أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من الله محنة [ ص: 171 ] في أنفسهم ، من بلية تنزل بهم ، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث