الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 109 ] وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل في " اللباس في الصلاة " وهو أخذ الزينة عند كل مسجد : الذي يسميه الفقهاء : ( باب ستر العورة في الصلاة فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين وهو العورة وأخذ ما يستر في الصلاة من قوله : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } ثم قال { ولا يبدين زينتهن } يعني الباطنة { إلا لبعولتهن } الآية .

فقال : يجوز لها في الصلاة أن تبدي الزينة الظاهرة دون الباطنة . والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين فقال : ابن مسعود ومن وافقه ; هي الثياب وقال ابن عباس ومن وافقه : هي في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم . وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية . فقيل : يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد .

[ ص: 110 ] وقيل : لا يجوز وهو ظاهر مذهب أحمد ; فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها . وهو قول مالك .

وحقيقة الأمر : أن الله جعل الزينة زينتين : زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم . وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله : { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } حجب النساء عن الرجال وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش فأرخى الستر ومنع النساء أن ينظرن ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا : إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين . وإلا فهي مما ملكت يمينه فحجبها .

فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن - و " الجلباب " هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها . وقد حكى أبو عبيد وغيره : أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا [ ص: 111 ] عينها ومن جنسه النقاب : فكن النساء ينتقبن . وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب : كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين .

وعلى هذا فقوله : { أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن } يدل على أن لها أن تبدي الزينة الباطنة لمملوكها . وفيه قولان : قيل المراد الإماء والإماء الكتابيات . كما قاله ابن المسيب ورجحه أحمد وغيره وقيل : هو المملوك الرجل : كما قاله ابن عباس وغيره وهو الرواية الأخرى عن أحمد .

فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته وقد جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل الحاجة ; لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها . كغير أولي الإربة ; فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها ; بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها [ ص: 112 ] فإنه لم يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم " { لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم } " فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها والمحرم من تحرم عليه على التأبيد ; ولهذا قال ابن عمر : سفر المرأة مع عبدها ضيعة .

فالآية رخصت في إبداء الزينة لذوي المحارم وغيرهم وحديث السفر ليس فيه إلا ذوو المحارم وذكر في الآية نساءهن أو ما ملكت أيمانهن وغير أولي الإربة وهي لا تسافر معهم . وقوله : { أو نسائهن } قال : احتراز عن النساء المشركات . فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره ; ولهذا كان أقاربها تبدي لهن الباطنة وللزوج خاصة ليست للأقارب .

وقوله : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } دليل على أنها تغطي العنق فيكون من الباطن لا الظاهر ما فيه من القلادة وغيرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث